أخبار كندا العربية – للجالية والمجتمع العربي في كندا
أخبار
سكان منطقة تورونتو يزدادون.. فلماذا تتراجع أعداد الطلاب في المدارس الحكومية؟
انخفاض المواليد وغلاء السكن وتراجع الهجرة وانتقال بعض الأسر إلى المدارس الخاصة تضع المجالس التعليمية أمام أزمة مالية وتشغيلية
منشور: يوليو 18, 2026
Lتشهد منطقة تورونتو الكبرى مفارقة ديموغرافية لافتة؛ ففي الوقت الذي ارتفع فيه عدد السكان خلال السنوات الماضية، تتوقع مجالس مدرسية عدة استقبال أعداد أقل من الطلاب خلال العام الدراسي المقبل.
ولا يعني نمو عدد السكان بالضرورة زيادة عدد الأطفال في سن الدراسة، إذ يأتي جانب كبير من النمو السكاني من البالغين والطلاب الدوليين والعمال المؤقتين والمهاجرين الذين لا يصطحبون أطفالاً، بينما تتراجع نسبة الأسر الشابة داخل عدد من مدن المنطقة.
وفي تورونتو، يتوقع مجلس مدارس تورونتو انخفاض التسجيل من نحو 232,436 طالباً في السنة الحالية إلى 227,524 طالباً خلال 2026-2027، أي بخسارة تقارب 4,912 طالباً أو 2.1 في المئة.
ويتركز معظم الانخفاض في المرحلة الابتدائية، التي يُتوقع أن تفقد أكثر من 4,100 طالب، مقابل تراجع بنحو 800 طالب في المدارس الثانوية.
وتأتي هذه الخسارة بعدما كان عدد الطلاب المسجلين خلال السنة الحالية أقل بنحو ثلاثة آلاف طالب من تقديرات المجلس السابقة، ما يشير إلى أن التراجع أسرع مما كان متوقعاً.
السكان أكثر.. لكن الأطفال أقل
تكمن الإجابة الأساسية في التركيبة العمرية للسكان، وليس في العدد الإجمالي وحده.
فبين عامي 2013 و2023، ارتفع عدد سكان منطقة تورونتو بنحو 15 في المئة، من قرابة 5.9 ملايين إلى 6.8 ملايين نسمة، بينما انخفض تسجيل الطلاب في مجلس مدارس تورونتو بنحو ثلاثة في المئة، من قرابة 243 ألفاً إلى 236 ألف طالب. (TorontoToday.ca)
وتظهر البيانات أن كثيراً من الأحياء أصبحت تضم عدداً أكبر من البالغين وكبار السن، مقابل عدد أقل من الأطفال، مع بقاء أسر صغيرة في منازل كانت تضم في السابق عائلات أكبر.
كما أن انخفاض معدلات الإنجاب يعني أن أعداد الأطفال الذين يدخلون رياض الأطفال والصفوف الابتدائية أصبحت أقل من أعداد الطلاب الذين يتخرجون أو ينتقلون من النظام المدرسي.
ويظهر أثر ذلك أولاً في المدارس الابتدائية، قبل أن ينتقل تدريجياً إلى المدارس الثانوية خلال السنوات اللاحقة.
السكن يدفع الأسر إلى خارج المنطقة
يمثل ارتفاع أسعار المنازل والإيجارات أحد أبرز أسباب خروج الأسر الشابة من تورونتو وبعض مدن المنطقة المحيطة بها.
فالعائلات التي تحتاج إلى منزل أكبر وغرف إضافية تواجه صعوبة في تحمل تكاليف السكن، ما يدفعها إلى الانتقال إلى مدن أبعد عن قلب منطقة تورونتو الكبرى، أو إلى مناطق أخرى من أونتاريو وكندا.
ويؤدي ذلك إلى نمو عدد السكان داخل الأبراج والشقق الصغيرة، لكن من دون زيادة مماثلة في عدد الأطفال، لأن كثيراً من الوحدات الجديدة يسكنها أفراد أو أزواج من دون أبناء.
وقد تشهد بعض الأحياء الجديدة ازدحاماً في مدارسها، بينما تعمل مدارس أخرى في الأحياء القديمة بأقل كثيراً من طاقتها، ما يجعل الصورة متفاوتة بشدة من منطقة إلى أخرى.
وفي هالتون، أرجع المجلس المدرسي التراجع إلى شيخوخة الأحياء وتباطؤ نمو المشاريع السكنية الجديدة، رغم استمرار الضغط على بعض المدارس الواقعة داخل مناطق التوسع العمراني. (Halton District School Board)
تغير سياسة الهجرة
كانت الهجرة خلال سنوات طويلة مصدراً مهماً لنمو تسجيل الطلاب، خصوصاً في تورونتو وبيل ويورك.
لكن خفض الحكومة الفيدرالية أعداد المقيمين المؤقتين والطلاب الدوليين، إلى جانب تقليص أهداف الهجرة، أدى إلى انخفاض عدد الوافدين الجدد وأطفالهم.
وتقول مجالس مدرسية إن تراجع الوافدين لا يخفض أعداد الطلاب فقط، بل يقلل أيضاً التمويل المخصص لتعليم اللغة الإنجليزية والبرامج المرتبطة باستقبال القادمين الجدد.
كما أن جزءاً كبيراً من النمو السكاني السابق جاء من طلاب دوليين في الكليات والجامعات وعمال مؤقتين، وهي فئات ترفع عدد السكان لكنها لا تضيف بالضرورة أطفالاً إلى المدارس.
وأكد مجلس مدارس منطقة يورك أن انخفاض المواليد وتغير أنماط الهجرة من الأسباب الرئيسية وراء توقعه تراجع التسجيل في 2026-2027. (York Region District School Board)
انتقال إلى المدارس الخاصة
لا يرجع التراجع كله إلى الديموغرافيا، إذ تختار بعض الأسر نقل أطفالها من المدارس الحكومية إلى مدارس خاصة أو مستقلة.
وبين عامي 2018 و2023، ارتفع تسجيل الطلاب في المدارس الخاصة في أونتاريو بنحو 11 في المئة، مقابل نمو لم يتجاوز واحداً في المئة في النظام الحكومي.
وشكل طلاب المدارس الخاصة نحو سبعة في المئة من الأطفال في أونتاريو عام 2023، مع تسجيل زيادة في الطلبات والاستفسارات لدى عدد من المدارس الخاصة في تورونتو لعام 2026. (TorontoToday.ca)
ويشير مسؤولو تلك المدارس إلى أن بعض الأسر تبحث عن صفوف أصغر وبرامج متخصصة وأنشطة إضافية ودعم أكبر للأطفال ذوي الاحتياجات التعليمية المختلفة.
في المقابل، تربط نقابات المعلمين هذا الانتقال بتراجع الموارد داخل المدارس الحكومية، وازدياد حجم بعض الصفوف، ونقص الدعم المتخصص.
لكن لا تتوافر حتى الآن بيانات شاملة تحدد نسبة الأسر التي غادرت النظام الحكومي بسبب جودة التعليم، مقارنة بمن انتقلوا إلى منطقة أخرى أو اختاروا نظاماً مدرسياً مختلفاً لأسباب دينية أو شخصية.
أين يذهب الطلاب المغادرون؟
أظهرت بيانات مجلس مدارس تورونتو أن نحو 6,750 طالباً غادروا مدارسه إلى مؤسسات أخرى خلال عام 2024.
وانتقل نحو 59 في المئة منهم إلى مجلس مدرسي آخر، وغادر 18 في المئة إلى مدارس خارج كندا، فيما انتقل نحو 16 في المئة إلى مدارس خاصة. (TorontoToday.ca)
لكن المجلس يعرف عادة الوجهة التي انتقل إليها الطالب، ولا يجمع بصورة منهجية الأسباب التي دفعت الأسرة إلى اتخاذ القرار.
ولهذا طالب ممثلو أولياء الأمور بإجراء استطلاعات خروج تسأل الأسر مباشرة عن أسباب مغادرة المدارس، سواء تعلقت بالسكن أو جودة التعليم أو المناخ المدرسي أو نقص الدعم أو حجم الصفوف.
تراجع الطلاب يعني تراجع التمويل
تكمن المشكلة الرئيسية في أن جزءاً كبيراً من تمويل المدارس في أونتاريو يرتبط بعدد الطلاب المسجلين.
وعندما ينخفض التسجيل، تتراجع المنح الممنوحة للمجلس، ما يؤدي إلى تقليص أعداد المعلمين والموظفين والبرامج والمواد التعليمية.
لكن تكاليف كثيرة لا تنخفض بالمعدل نفسه، إذ تظل المجالس مطالبة بتدفئة المباني وصيانتها وتشغيلها، حتى عندما تعمل المدرسة بنصف طاقتها.
ويواجه مجلس مدارس تورونتو هذه المشكلة بصورة واضحة، إذ يتوقع خسارة نحو 48.2 مليون دولار من إجمالي الإيرادات خلال العام الدراسي المقبل مقارنة بالسنة الحالية.
كما أصبحت المدارس التي تضم أعداداً قليلة من الطلاب أقل قدرة على توفير مجموعة واسعة من المواد الاختيارية والأنشطة والبرامج المتخصصة.
ولا تعاني جميع مدارس المنطقة من فراغ المقاعد؛ فبعض المدارس داخل الأحياء الجديدة تعاني ازدحاماً شديداً وتستخدم مباني مؤقتة، بينما توجد آلاف المقاعد الفارغة في مناطق أخرى.
ويكشف هذا التفاوت أن القضية ليست مجرد انخفاض عام في عدد الطلاب، بل عدم تطابق متزايد بين مواقع المدارس القائمة والأحياء التي تختار الأسر الشابة العيش فيها.
وبذلك، فإن نمو سكان منطقة تورونتو الكبرى لا يتناقض فعلياً مع تراجع التسجيل المدرسي، لأن المنطقة تضم عدداً أكبر من السكان، لكن نسبة أقل منهم أطفال، فيما تدفع تكاليف السكن والتغيرات الديموغرافية والهجرة وخيارات التعليم أعداداً متزايدة من الأسر بعيداً عن المدارس الحكومية المحلية.