أخبار كندا العربية – للجالية والمجتمع العربي في كندا
أخبار
لكل ليلة نهاية... حتى لو بدأت بلا نهاية!
الهجرة العربية كامتداد للأزمة السياسية وانهيار المعنى العام
منشور: فبراير 8, 2026
لا يمكن قراءة الليل هنا كمجاز شعري أو وصف عاطفي لمرحلة عابرة، بل كهيكل سياسي قائم بذاته. الليل هو نتيجة تراكمات طويلة من الفشل وسوء الإدارة وانهيار العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع. هو الحالة التي تتحول فيها السياسة من أداة لتنظيم الاختلاف وإدارة المصالح إلى وسيلة لاستمرار العجز، وتكريس الخوف، وتصنيع المستحيل. بهذا المعنى، الليل ليس حدثًا عرضيًا، بل مسار ممتد، وليس ظرفًا مؤقتًا، بل نتيجة منطقية لمسار سياسي معيوب.
في السياق العربي، لم تعد السياسة مسألة عامة تُدار في المجال العام، بل تحولت إلى مصير فردي يلاحق الأفراد حتى في أدق تفاصيل حياتهم. هي القوة التي تحدد مصير الإنسان قبل أن يتخذ قراراته، مفروضة عليهم خيارات محدودة بين البقاء على هامش الوطن أو الهجرة إلى هامش آخر أقل قسوة لكنه أكثر تعقيدًا. لذلك، عندما يختار العربي المنفى، غالبًا ما لا يكون قرارًا حرًا، بل رد فعل لإكراه سياسي طويل الأمد، أو ظروف اجتماعية قسرية، أو شيء يشبه خيارًا حتميًا لا مفر منه جعل البقاء فعلًا مكلفًا والهجرة ضرورة وجودية.
ومع ذلك، فإن المنفى، خلافًا لما يُسوَّق له سياسيًا وإعلاميًا، ليس نهاية الأزمة ولا تجاوزًا لها، بل امتداد لها في سياق مختلف. الصراعات التي يولدها الوطن-الدولة العربية – التهميش، الاستقطاب، الإقصاء، واحتكار الشرعية – لا تتوقف عند الحدود الجغرافية بل تنتقل مع الأفراد إلى أماكن لجوئهم، وإن كانت بأدوات جديدة وأشكال أكثر ليونة وأقل وضوحًا. وهكذا، تتحول الأزمة من صراع مع سلطة مركزية إلى صراعات أفقية داخل المجتمعات والجماعات نفسها.
في المنفى، يدخل العربي فضاءً سياسيًا جديدًا تحكمه معايير مختلفة، لكنه لا يبدأ من الصفر. يحمل معه ذاكرة سياسية مثقلة بالخوف، وعدم الثقة، والانقسامات، وسوء فهم العمل العام. لذلك، ليس من المستغرب أن تتحول المجتمعات العربية غالبًا إلى فضاءات تنافس حاد، حيث تُنشأ لوبيات ضيقة، وتُعاد إنتاج نفس علاقات القوة التي فشل الناس في التحرر منها في أوطانهم الأصلية.
هنا، لم يعد الصراع حول المبادئ بقدر ما أصبح صراعًا على موارد محدودة: المال، الاعتراف، المنصات، والتمثيل الرمزي. في ظل هذا الواقع، تتراجع الأسئلة الكبرى حول العدالة والحرية لصالح أسئلة أكثر براغماتية ونفعية: من له الصوت الأعلى؟ من يسيطر على الخطاب؟ من يحدد من هو "مقبول سياسيًا" ومن هو "مفرط"؟ وهكذا، تحل المناورات الفردية أو الفئوية محل السياسة كممارسة جماعية، وغالبًا ما تُبرر تحت شعار "البقاء".
تتجلى أخطر مشكلة سياسية في المنفى عند حدود العلاقة بين الغايات والوسائل. كثيرون، مدفوعون بالإثبات الذاتي أو الهروب من الهامش، يقبلون تنازلات جوهرية تؤثر على جوهر الخطاب الذي يدعون الدفاع عنه. بعضهم يذوب تمامًا في الأنظمة السياسية الجديدة، متخليًا عن أي نقد حقيقي مقابل القبول والاندماج. آخرون يختارون خطابًا تصادميًا مرتفع النبرة يفتقر إلى العمق والرؤية، يتحول إلى عرض أخلاقي بلا تأثير سياسي فعلي. في كلتا الحالتين، تختفي السياسة كمشروع، وتحل محلها استراتيجيات بقاء قصيرة الأمد.
تمتد هذه الأزمة أيضًا إلى الهياكل الرمزية التي لعبت تاريخيًا دورًا توجيهيًا وأخلاقيًا في المجتمع. على سبيل المثال، لم يعد الشكل الديني يحتفظ بهيبته أو مكانته كما كان في وطنه الأصلي. في سياق المنفى، سقطت النماذج، وتحول بعضهم إلى باحثين عن الصورة، والمنافسة، ومطاردة "الهيبة" والثراء على حساب الدور الأخلاقي والمسؤولية العامة. مع تراجع هذا المرجع، ضعف التأثير، وغالبًا ما يصبح المجتمع بلا مظلة توجيهية صلبة أو نموذج يُحتذى به، مما يعمق حالة الارتباك الأخلاقي والسياسي.
تطرح هذه الديناميكية سؤالًا سياسيًا مركزيًا: هل من الممكن بناء عمل سياسي أخلاقي في سياق هش قائم على تنافس حاد وندرة الفرص؟ أم أن المنفى بطبيعته يدفع الأفراد والجماعات إلى تبني منطق "الغاية تبرر الوسيلة"؟ الجواب ليس بسيطًا، لكنه يكشف عن خلل هيكلي أعمق يتمثل في غياب رؤية جماعية للعمل السياسي وعدم الإيمان بإمكانية العمل التراكمي طويل الأمد.
السياسة، عندما تُفرغ من بُعدها القيمي، تتحول إلى مجرد إدارة مصالح. وعندما تفشل في إنتاج العدالة، تترك فراغًا أخلاقيًا لا يبقى محايدًا. يُملأ هذا الفراغ عادةً بالطموحات الفردية، ومشاريع الهيمنة الصغيرة، وأشكال الاستبداد الجزئي داخل الجماعات التي من المفترض أنها هربت أصلاً من الاستبداد. هنا يكمن التناقض: كثير من المهاجرين العرب يعيدون دون وعي إنتاج نفس الأنماط السلطوية التي رفضوها في بلدانهم.
ومع ذلك، فإن اختزال المنفى إلى مجرد فضاء لإعادة إنتاج الفشل السياسي يبقى ظلمًا للواقع. في هذا الليل المعقد، تظهر محاولات جدية لإعادة تعريف السياسة خارج الأطر التقليدية. هناك أفراد وجماعات اختاروا العمل الهادئ بعيدًا عن ضجيج الإعلام، يسعون لبناء فضاءات نقاش حقيقية وإنتاج خطاب نقدي لا يقوم على الإقصاء أو استغلال المعاناة. هذه المحاولات، رغم محدودية تأثيرها الظاهر، تمثل نواة ممكنة لعمل سياسي أكثر نضجًا.
السياسة، بمعناها العميق، لا تقتصر على مؤسسات الدولة أو صراعات النخب، بل تتجسد في الخيارات اليومية التي يتخذها الأفراد عندما يُدفعون إلى الهامش. من هذا المنظور، يصبح المنفى مختبرًا قاسيًا لإعادة التفكير في مفاهيم الانتماء والشرعية والتمثيل. لا يجب أن يأتي الإثبات الذاتي على حساب الآخرين، ولا يبرر السعي إلى مكان في المجال العام احتكار الحقيقة أو استبعاد الأصوات المخالفة.
لكل ليل فجر آخر، ليس لأن التاريخ يتبع منطق العدالة، بل لأن الاستمرار في الظلام إلى ما لا نهاية يتناقض مع منطق التغيير ذاته. قد يكون الليل طويلًا وقد يتجدد بأشكال مختلفة، لكن تصدعه أمر لا مفر منه طالما أن الأسئلة السياسية الحقيقية لا تزال مفتوحة. المنفى، بكل تناقضاته، ليس نهاية العمل السياسي العربي بل أحد أكثر فصوله تعقيدًا، إذ يضع الفرد وجهًا لوجه مع مسؤوليته الفردية والجماعية في آن واحد.
في النهاية، المعضلة ليست في الطموح ولا في الرغبة في النجاح، بل في الثمن الذي يُدفع لتحقيقه. السياسة التي تفقد معناها الأخلاقي تتحول إلى تقنية للسلطة، والإثبات الذاتي المبني على تدمير الآخرين ينتهي دائمًا بفراغ. عندما تُستعاد السياسة كمطاردة للمعنى قبل النفوذ، والكرامة قبل المكاسب، يصبح الليل – مهما طال – مرحلة يمكن تجاوزها، ويصبح الآخر ممكنًا… حتى لو بدأ بآخر مختلف.