أخبار كندا العربية – للجالية والمجتمع العربي في كندا
أخبار
ديناميكية أفعال الشر… مقبرةٌ يحفرها الأشرار بأيديهم
حين تتحول استباحة الإنسان إلى منهج، يصبح السقوط قدراً لا عقوبة
منشور: يوليو 4, 2026
ليست المشكلة أن الشر موجود؛ فقد عرفته البشرية منذ أول صراع بين الحق والباطل. وإنما تكمن المشكلة الحقيقية في أن ينجح الشر في خداع صاحبه، فيقنعه بأنه ذكاء، وأن استباحة الناس قوة، وأن إذلالهم انتصار، وأن الالتفاف على الحق مهارة، وأن الإفلات المؤقت من المحاسبة والقصاص شهادة براءة. عندها لا يبدأ سقوط الضحية، بل يبدأ السقوط الحقيقي للمعتدي؛ لأنه يكون قد تجاوز الحد الذي يحفظ للإنسان إنسانيته وكرامته وعزته قبل أن يحفظ للآخرين حقوقهم.
فالشر لا يقتحم النفس دفعةً واحدة، بل يبدأ بإعادة تشكيل معاييرها. يبدّل معاني الأشياء حتى يرى المعتدي اعتداءه حقاً، ويرى كرامة الناس مادةً للمساومة، ومحاولة آغتيال شخصيتهم من خلال تشويه سمعتهم وسيلةً مشروعة إذا تعارضت مع مصلحته، ويرى القانون عقبةً ينبغي الالتفاف عليها لا قيمةً ينبغي احترامها. وما إن تستقر هذه القناعة في النفس، حتى لا يعود الشر فعلاً عارضاً ويصبح سلوكاً مستداماً، بل يتحول إلى طريقة تفكير، ثم إلى منهج حياة، حتى يغدو الخروج منه أشق من الدخول إليه.
ومنذ تلك اللحظة، يبدأ الشرير ببناء سجنه.
ليس سجناً من إسمنت وحديد، بل سجناً من الأوهام التي صنعها بيديه ليطوق بها ذاته ويكتب نهايته. يظن أنه يزداد قوة، فيزداد عربدةً وفجوراً، بينما هو في الحقيقة يزداد هواناً وضعفاً وانهياراً. يزداد تيهاً واعتماداً على كذبةٍ تحمي كذبةً سبقتها، وعلى ظلمٍ جديد يغطي ظلماً ارتكبه بالأمس، وعلى خصومةٍ مستحدثة يبرر بها خصومةً أقدم، حتى ينسج حول نفسه قيوداً يظنها دروعاً، فإذا بها أغلال لا يستطيع الفكاك منها. وهكذا لا يتوقف عن إنتاج الشر، لأن التوقف يعني الاعتراف، والاعتراف يعني سقوط الصورة التي صنعها لنفسه، وانكشاف الوجه الشرير القبيح الذي ظل يخشى فضح أمره لذلك يهرب من مواجهته.
وهنا تكمن ديناميكية أفعال الشر.
فالشر لا يعرف الاكتفاء، ولا يقبل الحدود. كل اعتداء يجر اعتداءً آخر، وكل استباحة تستدعي استباحةً أكبر، وكل ظلم يحتاج إلى ظلم أشد لحمايته، حتى يغدو الشر مشروعاً قائماً بذاته، يلتهم صاحبه قبل أن يلتهم غيره. وما يراه اتساعاً في نفوذه ليس إلا اتساعاً في مساحة سقوطه القادم، وما يظنه تمكيناً ليس إلا تسارعاً في رحلة انهياره.
وللشر وجهٌ أكثر انحطاطاً حين يستثمر في ضعف الأبرياء. فهو لا يكتفي بصناعة الضحايا، بل يسعى إلى صناعة أدوات جديدة لخرابه. يستغل حاجة الناس، ويستدرج القادمين الجدد إلى المهجر، ويستثمر جهل بعضهم بالقوانين، فيورطهم في مسارات لا يدركون عواقبها إلا بعد فوات الأوان، حتى يجدوا أنفسهم يواجهون نتائج أفعال لم يكونوا أصحاب قرارها الحقيقي. وهكذا لا يكتفي الشر بتلويث يدٍ واحدة، بل يحاول أن يوسّع دائرة الخراب، وأن يجر إلى الوحل كل يدٍ امتدت إليه بحسن نية أو بثقة لم تكن في محلها، ظناً منه أن كثرة الضحايا تؤخر سقوط الجلاد.
غير أن الشر يجهل الحقيقة الكبرى.
قد يتأخر القانون، وقد تعوقه الإجراءات، وقد يظن المعتدي أن بطء المحاسبة يمنحه حصانة، لكن هذا هو الوهم الأكبر. فالتأخر ليس انتصاراً، والإفلات المؤقت ليس نجاة، والزمن الذي يظنه مساحةً للتمدد ليس سوى مساحة يراكم فيها الأدلة على نفسه، ويوسّع بها دائرة خصومه وأعدائه، ويعمّق بها أسباب سقوطه. إن الزمن لا يحمي الشر، بل يكشفه، ويعرّيه، ثم يقدمه إلى المصير الذي صنعه بيديه.
ولذلك، لا ينبغي للمظلوم أن يخدعه صخب الباطل، ولا أن يفسر تأخر العدالة على أنه انتصار للظالم. فالشر قد يتمدد، وقد يعلو صوته، وقد يربك المشهد زمناً، لكنه لا يستطيع أن يغيّر النهاية. فمن جعل استباحة الناس منهجاً، وإذلالهم وسيلة، والاعتداء على كراماتهم طريقاً إلى النفوذ، لا يبني لنفسه مجداً، بل يوقّع بيده على أسباب سقوطه، ويضيف مع كل ظلم يرتكبه شاهداً جديداً عليه، ودليلاً جديداً يدينه، وخطوةً جديدة تقرّبه من لحظة الحساب.
وليس من العدل أن يُترك الشر يعيث فساداً دون مواجهة، ولا من الرحمة أن يُترك المعتدي يواصل اعتداءه دون محاسبة. فالقصاص ليس انتقاماً، بل حماية للمجتمع، والعدالة ليست قسوة، بل صيانة لكرامة الإنسان، وكشف الحقيقة ليس تشفياً، بل واجب حتى لا يتحول الظلم إلى ثقافة، ولا يصبح الخوف أسلوب حياة، ولا يغدو السكوت شريكاً في الجريمة.
وليس ذلك قانوناً يحكم الأفراد وحدهم، بل سُنّة تتكرر في حياة الأمم والمجتمعات. فقد يبدو الباطل في مرحلةٍ ما أكثر ضجيجاً، وأكثر نفوذاً، حتى يظن أصحابه أنهم بلغوا من القوة ما يجعلهم فوق كل حساب. لكن التاريخ لم يحفظ لنا جبروتاً دام، ولا ظلماً استقر، ولا طغياناً أفلت من النهاية التي صنعها بنفسه.
وقد لخّص القرآن الكريم هذه السُّنّة في مشهدٍ مهيب بقوله تعالى:
﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾.
إنها ليست رواية عن قوم مضوا، بل إعلان عن قانون لا يشيخ؛ فكل مشروع يقوم على الإجرام، وكل سلطان يُبنى على الظلم، وكل قوة تستمد وجودها من استباحة الإنسان، تحمل في داخلها لحظة فنائها، مهما طال الزمن، ومهما ظن أصحابها أنهم تجاوزوا حدود المحاسبة والقصاص.
ولعل أبلغ ما يختزل هذه الحقيقة قوله تعالى:
﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾.
فليست الآية وصفاً لواقعة مضت، وإنما كشفٌ لسُنّة تتكرر كلما توهم إنسان أن بإمكانه أن يبني مجده فوق أنقاض الآخرين. فما يهدمه المعتدي أولاً ليس حياة ضحيته، بل الأساس الذي يقف عليه هو. وقد يطول زمن الوقوف، لكن البناء الذي يأكل الفساد أعمدته من الداخل لا يحتاج إلى من يهدمه؛ يكفي أن يكتمل تصدعه حتى يسقط بثقل ما حمله من شرٍ وفسادٍ وظلم.
هذه هي ديناميكية أفعال الشر.
إنها لا تمنح أصحابها نصراً، بل تؤجل هزيمتهم.
ولا تبني لهم قوة، بل تؤخر لحظة انكشاف ضعفهم.
ولا تشيد لهم عرشاً، بل تبني لهم مقبرة، حجراً فوق حجر، حتى إذا اكتمل البناء، لم يجدوا في نهايته إلا الحقيقة التي أنكروها طويلاً: أن من عاش يستبيح الناس انتهى أسيراً لما استباح، وأن الشر الذي ظنه طريقاً إلى المجد لم يكن، منذ خطوته الأولى، إلا الطريق الأقصر إلى السقوط؛ حيث ينتصر القصاص، وتستعيد العدالة هيبتها، ويقف كل امرئٍ في مواجهة ما صنعت يداه، فلا يبقى للباطل والشر إلا أن ينهارا تحت ثقلهما، ولا يبقى للحق والعدل إلا أن يعلوا مهما طال الزمن.
فلا يخدعنك صخب الباطل وهو يتمدد، ولا يغرنك تأخر القصاص وهو يقترب. فليس كل ما ارتفع ثبت، وليس كل ما تمدد بقي. وكم من بناءٍ ظنه الناس عصياً على السقوط، فإذا به ينهار من داخله، لا لأن خصومه كانوا أقوى، بل لأن الفساد الذي بناه كان يأكل أساساته بصمت. وكذلك الشر… قد يربح جولة، لكنه لا يربح التاريخ، وقد يؤخر القصاص، لكنه لا يلغيه، وقد يخدع الأبصار زمناً، لكنه لا يستطيع أن يخدع سنن الله في الحياة. وفي النهاية، لا يبقى إلا الحق، ولا تنتصر إلا العدالة، ولا يحصد الإنسان إلا ما زرعت يداه