أخبار كندا العربية – للجالية والمجتمع العربي في كندا
أخبار
غزة… ألم مستمر
قصة لا تنتهي عند حدود البقاء
منشور: أبريل 26, 2026
لحظة الوصول إلى كندا لم تكن نهاية القصة كما ظن الكثيرون، بل كانت بداية فصل جديد، أكثر تعقيدًا وأثقل على الروح. عندما وطأت العائلات القادمة من غزة أرضًا آمنة، ظنوا—ولو للحظة—أنهم تركوا خلفهم كل ما يثقل القلب: هدير الطائرات، رائحة الموت، صور الخسارة التي لا تفارق الذاكرة. ومع ذلك، سرعان ما تكشفت الحقيقة؛ الألم لا ينتهي بالبقاء على قيد الحياة، بل يعيد تشكيل نفسه ويتسلل بهدوء إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث يصبح أكثر اختباءً… وأكثر ألمًا.
في كل منزل، هناك قصة انتظار، حيث تجلس الأم صامتة تراقب ابنها. أوراقه مبعثرة أمامه، وعيناه مثبتتان على أرقام قاسية. الحديث عن الجامعة لم يعد حلمًا بسيطًا كما كان من قبل. الرسوم الدراسية المفروضة عليه كـ "طالب دولي" تقف كجدار صلب بينه وبين مستقبله. هو الذي نجا من حرب لم يخترها يجد نفسه الآن يواجه معركة أخرى—نوع مختلف من المعارك، حيث لا تُسمع أصوات القذائف، بل تُقاس بالأرقام والقدرة والانتظار.
تدور الحسابات بلا توقف في رأسه: كم يحتاج؟ كم ينقصه؟ وكم يمكنه الانتظار قبل أن يتركه القطار خلفه؟ بين كل سؤال وآخر، يتسلل شعور ثقيل بأن الوقت ليس في صفه، بل أمامه بخطوات لا يستطيع اللحاق بها.
ثم تدرك الأم، من خلال صمتها العميق، أن الأمان الذي وصلوا إليه ليس كاملاً بعد. الأمان الحقيقي ليس مجرد النجاة من الموت، بل أن تُمنح فرصة للعيش بكرامة، وأن ترى أطفالها يمشون بثقة نحو مستقبل واضح. لكن هذا الطريق يبدو ضبابيًا اليوم، مليئًا بالعقبات لا تقل قسوة عن تلك التي فروا منها، لكنها عقبات تدفعهم إلى المجهول دون إطار زمني واضح. كما لو أن الحياة، بعد إنقاذهم، قررت اختبار صبرهم بطريقة أخرى.
في المساء، يسود صمت ثقيل داخل هذه المنازل. ليس صمت الراحة، بل صمت التفكير المرهق. لا يمكن اتخاذ قرارات سهلة. هل يتمسكون بالبقاء في كندا، حيث الأمان لكن الفرص محدودة؟ أم يفكرون في العودة، رغم كل المخاطر التي تحملها، فقط لأن الأفق هنا يبدو مغلقًا أمام أحلام أطفالهم؟
إنها صراع لا يُقال بصوت عالٍ، لكنه حاضر في كل تفصيل حتى في لقاءاتهم، حيث يتحدثون فقط عن همومهم العميقة: في نظرة الأب المثقلة بالعجز، في قلق الأم التي تحاول إخفاءه، وفي عيون الأطفال الذين يشعرون بأن الوقت يمر دونهم. سنة دراسية ضاعت، وأخرى تلوح في الأفق، وهم يقفون عند خط البداية، غير قادرين على التقدم.
حولهم، يواصل الآخرون حياتهم بشكل طبيعي. أصدقاء جدد يخططون لدخول الجامعات، يتحدثون عن تخصصاتهم وطموحاتهم، بينما هم عالقون بين شروط لا يستطيعون تلبيتها وواقع لا يمنحهم فرصة للتأجيل. هنا، الخسارة ليست فقط فقدان المكان، بل فقدان الإيقاع الطبيعي للحياة، وفقدان القدرة على اللحاق بما هو واضح للآخرين.
وفي أماكن أخرى، خارج كندا، تنتظر عائلات أخرى دورها للوصول. في القاهرة ومدن أخرى، يحملون نفس الأمل ويرسمون صورة مثالية للنجاة. يعتقدون أن الوصول إلى الأمان هو بداية الطريق نحو مستقبل مفتوح. لكن الأخبار التي يتلقونها من أقاربهم هنا تخلط هذه الصورة؛ الأمان موجود، نعم، لكنه غير مكتمل، كما لو أن الحلم نفسه يحتاج إلى من يكمله، لا أن يُترك معلقًا في منتصف الطريق.
بدأت هذه القصص تصل إلى آذان بعض المسؤولين، وظهرت محاولات للبحث عن حلول. لكن طبيعة هذا المعاناة لا تحتمل التأجيل. الوقت، لهؤلاء الناس، ليس مجرد عامل عابر، بل عنصر ضغط يومي يسرق من حياتهم فرصًا لا يمكن تعويضها بسهولة. كل يوم يمر دون حل هو مسافة إضافية تتسع بينهم وبين مستقبل ظنوه قريبًا.
المطلوب ليس معجزات، بل قرارات عادلة تدرك أن هذه الحالات ليست عادية. أن يُعامل هؤلاء الشباب بما يليق بظروفهم الاستثنائية، وأن تُفتح لهم أبواب التعليم كما تُفتح للآخرين، وأن تُعتبر دراستهم حجر الأساس في إعادة بناء حياتهم، لا عبئًا إضافيًا يزيد من معاناتهم.
التعليم هنا ليس رفاهية، بل الجسر الوحيد نحو الاستقرار الحقيقي. بدونه، يبقى الأمان ناقصًا، وتعلق الحياة بين ما كان وما يجب أن يكون.
في النهاية، تبقى القصة أبسط وأعمق مما تبدو عليه. إنها قصة عائلات نجت من الحرب، لكنها لا تزال تبحث عن حياة مليئة بالمعنى. قصة أطفال لا يريدون أكثر من فرصة عادلة ليكونوا مثل الآخرين—لا أقل ولا أكثر. وقصة أمل لم ينطفئ، لكنه أصبح هشًا، ينتظر من يحميه من التلاشي قبل فوات الأوان.
غزة، بالنسبة لهم، لم تعد مجرد مكان… بل شعور يسكنهم أينما ذهبوا. ألم مستمر، حتى وهم في أرض من المفترض أن تكون بداية الشفاء. بين أمان ناقص ومستقبل مؤجل، يقفون على حافة الانتظار، مترقبين لحظة تعيد ترتيب هذا العالم في أعينهم، لحظة يشعرون فيها أن نجاتهم لم تكن مجرد صدفة، بل بداية لحياة تستحق العيش!