أخبار كندا العربية – للجالية والمجتمع العربي في كندا
أخبار
في العدد المائة، يمكنني القول بثقة
الصادق لا يخسر، بل يمر بالسعر إلى ارتفاع يكمل رحلة النجاح
منشور: يناير 17, 2026
الوصول إلى الرقم مائة لا يُحتفل به بقدر ما هو موقف معلن، رغم أنه حق يعبر عن رحلة كفاح ونجاح. إعلان الموقف في زمن الغموض هو فعل شجاعة بحد ذاته، لأن الاستمرار هنا لم يكن صدفة، والبقاء لم يكن نتيجة تسوية، والصعود لم يأتِ من فراغ أو من تملق الواقع. بل هو نتيجة مسار اختير بوعي كامل، ودُفع ثمنه بلا تردد: جهد مرهق، صحة مُستنزفة، سمعة تعرضت للشك مراراً، وتضحيات شخصية ومهنية لم تكن يوماً موضوع شكوى، بل ضريبة طبيعية لاختيار الصدق كمسار في زمن أصبح فيه الصدق عبئاً لا ميزة.
في عالم إعلامي واسع في المنفى، غزاته ثقافات موروثة مشوشة وهشة، وربما خاضعة في كثير من مظاهرها، الانحناء ليس معتاداً بقدر ما هو التفكك. الوقوف يصبح فعلاً استفزازياً بحد ذاته. الانقسام أسهل من الوضوح، والتجزئة أقل تكلفة من تحمل مسؤولية الموقف، والمضي مع التيار أكثر أماناً من قول ما يجب قوله. هنا لا يُكافأ الاستقلال بل يُساء فهمه، ولا يُحتفى بالوضوح بل يُحاصر، لأن الوضوح يعطل السلوكيات، وربما الأجندات، المعتادة على العيش في المنطقة الرمادية.
في زمن تأسست فيه قناعة مربكة وخطيرة بأن المواقف تُشترى وتُباع، وهو واقع واجهناه مراراً بلا تهرب، يصبح التافه محور الاهتمام، وتصبح الفكر الحر هدفاً مباشراً للهجوم. ثقافة تكافئ الضجيج، تمنح المنصات للسخافة، وتضيق صدرها على كل ما يثير سؤالاً أو يهز هدوءها الهش. في هذا المناخ الهش، يتحول الصدق من قيمة أخلاقية إلى حالة عزلة جاهزة تحت اتهامات فارغة وشيطانية، ليس لأن الصدق فقد معناه، بل لأن وجوده العملي يكشف هشاشة ما بُني على التملق، والاصطفاف الأعمى، والمصالح الضيقة.
من هذا المنطلق، لم يكن مستغرباً أن تُحاصر التجربة ضمن مفاهيم غريبة عن سياقها الثقافي، تُقرأ بطريقة مختزلة، مكسورة، أو مقطوعة عمداً، وأن يراهن البعض على استنزافها بالتشويه بدلاً من مواجهتها بالنقاش، أو احتضانها بالتشجيع والرعاية والدعم. المشاريع التي ترفض الخضوع لا تُنتقد بقدر ما تُخشى لأنها تكشف الآخرين، والأصوات التي لا تساوم لا تُفهم بقدر ما تُربك لأنها تكشف زيف السائد وتضع الجميع أمام مرآة لا يرغب كثيرون في النظر إليها.
اختلط النقد بالإهانة، والمحاسبة بالشك، حتى أصبح من السهل اتهام الموقف بدلاً من مناقشة محتواه، والهجوم على النية بدلاً من تفكيك الفكرة. هذه ممارسة مألوفة في بيئات لم تستقر بعد على علاقتها بمفهوم حرية الرأي والتعبير، ولا بمعنى الاختلاف كقيمة إنسانية وحضارية. عندما يغيب الثقة بالنفس، وعندما يفشل البناء الثقافي في استيعاب التعددية، يصبح كل صوت مستقل تهديداً، وكل تجربة لا تتوافق مع السائد — حتى لو كان هذا السائد ساقطاً أخلاقياً وفكرياً — خروجاً يستوجب العزلة والحصار وأحياناً التشويه المتعمد.
ومع ذلك، ما يظهر كحصار ليس بالضرورة نهاية، وما يُعرض كفشل هو مجرد مرحلة اختبار. التجارب الحية لا تنمو في بيئات معقمة، ولا تُصقل في ظروف مريحة. بل تتشكل تحت الضغط، وتتبلور من خلال الاحتكاك، وأحياناً تتمزق لتصبح أكثر صلابة ووضوحاً. فقط المشاريع الفارغة تمر بسلام لأنها لا تلمس شيئاً، ولا تغير شيئاً، ولا تزعج أحداً. أما المشاريع القيمة، فتُستهدف لأنها تذكر الآخرين بما تخلوه طوعاً أو خوفاً.
الوصول إلى الرقم مائة لا يعني إكمال الطريق، بل ترسيخ الجذور. هو رقم لا يُقرأ كإنجاز كمي، بل كشهادة على الثبات والإرادة والعزيمة على المضي قدماً مهما اشتدت التحديات. المائة رقم كُتب فيه الكلمة خارج التهجئة، وقيل الرأي بلا وصاية، وتحملت التجربة كامل ثمن موقفها بلا نقصان. وهذا بحد ذاته شكل من أشكال الثبات الهادئ في سياق معتاد إما على الضجيج الفارغ أو الصمت المريح.
هنا يمكن القول بوضوح إن Arab Canada News في عددها المائة لم تكن مشروعاً عابراً، ولا موجهاً، ولا حالة طارئة ظرفية كما حاول بعض الأقزام والأيتام من الكرامة اغتيال سمعتها، بل هي فرع في شجرة زيتون متجذرة بقوة. فرع لم يدعِ أنه الشجرة كلها، لكنه ظل متصلاً بجذع قوي، وجذور تمتد عميقاً في تربة الإيمان بالكلمة، وأن الإعلام ليس مجرد مهنة، بل مسؤولية أخلاقية، والتزام إنساني، وانعكاس لمواقف شجاعة لا تُشترى ولا تُستأجر.
شجرة الزيتون لا تثمر بسرعة، ولا تنمو في موسم واحد. تُصاب، تُقلم، وأحياناً تُترك تواجه الرياح، لكنها لا تُقتل بسهولة. هكذا هي التجارب الصادقة: تعاني، قد تتراجع خطوة لاستعادة التوازن، قد تتعرض لطعنات خيانة عنيفة، لكنها لا تنكسر. لأن ما يقوم على المعنى لا يسقط أمام الطعنات الغادرة، ولا ينتهي بتغير الظروف، ولا يُلغى بسقوط الناس أو تبدل المواقع.
الذين راهنوا على استنزاف التجربة أغفلوا حقيقة أساسية: أن الصدق قد يتعب صاحبه، لكنه لا يفرغه من الداخل. والثبات قد يؤخر المكاسب، لكنه يحفظ الاتجاه. الخسارة الحقيقية ليست في تراجع العائد المادي، ولا في نقص الدعم، ولا في ندرة الموارد، بل في التنازل الصامت عن الجوهر، وفي استبدال المعنى بالأمان. هذا لم يحدث، ولن يحدث.
التحديات — مهما اشتدت — عابرة. هذه ليست جملة تفاؤل مجانية، بل خلاصة تجربة طويلة حملت في جوهرها رسالة حيوية وثبات وفخر. كل مرحلة ضغط تحمل في طياتها فرزاً قاسياً لكنه ضروري: ما لا يتحمل الصدق يسقط، وما لا يتحمل النقد ينسحب، ويبقى فقط ما قدّر له الاستمرار. الاستمرارية ليست تحدياً للآخرين، بل ولاءً للفكرة الأصلية التي انطلق منها المشروع، وللشخص الذي آمن بالكلمة، وبحقه في قولها بكرامة.
في العدد المائة، يصبح من الواجب — بل من الضروري — القول إن الطريق لم يكن مثالياً، وأن العقبات كانت كثيرة، وأن المعارك لم تكن دائماً عادلة. لكن من الصحيح أيضاً أن البوصلة لم تنحرف، والخط لم يُبع، والكلمة — رغم كل شيء — بقيت في موضعها الطبيعي: شاهدة، لا شهادة زور.