أخبار كندا العربية – للجالية والمجتمع العربي في كندا
أخبار
بين الألم والأمل... عام جديد
رأس السنة: اختبار وعي، ليس مناسبة احتفالية
منشور: يناير 1, 2026
لا يمر عام دون أن يترك ندبة على الروح، لكن بعض الأعوام لا تكتفي بالندوب؛ بل تترك جروحًا مفتوحة في الوعي الجمعي. وعندما نودع مثل هذا العام، لا نغلق صفحة زمنية فقط، بل نغلق مؤقتًا دفترًا من الأسئلة المؤلمة التي لم يُسمح بعد بالإجابة عليها.
كان ألم هذا العام أكثر وضوحًا لأنه لم يأتِ متخفياً. جاء مكشوفًا، معلنًا، أحيانًا محميًا بالصمت، وأحيانًا أخرى مبررًا بالتطبيع. قصص اختطاف بلا محاسبة، وطغيان بلا كبح، وسرقات لم تعد تقتصر على المال فقط بل امتدت إلى القيم والكرامة والمعنى ذاته. عناوين سقطت، قذرة في جوهرها، ليس فقط لأنها حدثت، بل لأن هناك من اختار أن يتماهى معها، يبررها، يعيش عليها، ويحول الرغبات الدنيئة إلى سلوك عام.
لا يكمن الخطر في الفعل الإجرامي وحده، بل في البيئة التي تحتضنه وتمنحه شرعية زائفة. عندما يصبح الصمت موقفًا، والتواطؤ ذكاءً، والحياد فضيلة مزيفة، لا يعود الخجل لحظة عابرة بل يتحول إلى سجل مستمر يُكتب باسم مجتمع كامل. وهكذا، بهدوء وبشكل مخيف، يُرسى مستقبل مظلم، لا يعلم مداه وحجم انحرافاته الأخلاقية والإنسانية إلا الله.
ومع ذلك، رغم هذا الانحدار الصاخب، لم تكن الساحة خالية تمامًا. على الهامش—دائمًا على الهامش—ظهرت نماذج قررت المقاومة بطريقة مختلفة. مبدعون، مفكرون، عمال في الصمت، لم يرفعوا شعارات ولم يدخلوا سوق الضجيج، بل سجلوا حضورًا نقيًا وآثارًا مشرفة. نماذج آمنت أن الإبداع ليس ترفًا بل فعل ومسؤولية، وأن بناء الإنسان أهم من مواكبة القبح. هؤلاء لم يخلقوا لحظة عابرة بل أسسوا معنى قادرًا على البقاء وتأثيرًا ينتقل بين الأجيال كوصية أخلاقية غير مكتوبة.
بين هاتين المشهدين—مشهد السقوط ومشهد الارتفاع—يقف العام الجديد ليس كمنقذ بل كاختبار. اختبار للوعي والقدرة على الاختيار. الأمل هنا لا يعني التغاضي عن الألم أو القفز فوق الواقع بل مواجهته بلا تزيين. الألم، بدوره، لا يجب أن يتحول إلى تعود أو ذريعة للوحشية بل إلى وعي حاد يمنع التكرار.
أخطر ما قد نرتكبه في بداية عام جديد هو تكرار نفس الأخطاء بأسماء مختلفة ونسيان كيفية اختيار النماذج التي نستمتع بقوتها. أسمى ما يمكن فعله هو إعادة تعريف أدوارنا: رفض أن نكون شهود زور، أو أتباعًا كالألحان بلا فكر أو تمييز، أو مستهلكي دمار، أو دمى تكرر ما نسمع بلا تمحيص، أو أرقام في طوابير الصمت. الأعوام لا تصلح نفسها، والمستقبل لا يُبنى على الأمنيات بل على مواقف واضحة، حتى وإن كانت مكلفة.
وهكذا، ندخل عامًا جديدًا بين الألم والأمل، ليس مطمئنين بل واعين. لا ننتظر معجزة بل مستعدين لتحمل مسؤولية المعنى. إما أن نكون امتدادًا للظلام، أو—حتى وإن كنا قلة—نقطة ضوء عنيدة في زمن يختبر إنسانيتنا كل يوم.