أخبار كندا العربية – للجالية والمجتمع العربي في كندا

أخبار

النرجسي يقتل الإرادة ليتوهّم الحياة ويتسوّلها

مجرمٌ نفسيّ لا يستشعر وجوده إلا وهو يطفئ نور ضحيته، ويهشم إرادتها، ويقتات على انكسارها ....

النرجسي يقتل الإرادة ليتوهّم الحياة ويتسوّلها

منشور: أبريل 16, 2026

ليست الجرائم، كلُّ الجرائم، سواءً في صورها وأدواتها وآثارها. فثمّة جرائمُ تُراق فيها الدماء، وتُشاهَد فيها الأسلحة، وتُحصى فيها الجثث، فتستنفر لها القوانين، وتنتبه إليها الأعين، ويهتزّ لها الضمير العام. غير أنّ ثمّة لوناً آخر من الإجرام أشدَّ خفاءً، وأعمق نفاذاً، وأبعد أثراً في تدمير الإنسان من داخله؛ إجراماً لا يترك بالضرورة دماً على العتبات، ولا كدمةً ظاهرةً على الجسد، لكنه يترك في الروح خراباً لا تبلغه السكاكين، وفي الوجدان ندوباً لا تمحوها الأعوام. ذلك هو الإجرام النفسي حين يتجسّد في النرجسيّ المؤذي، ذاك الذي لا يقتل الجسد دفعةً واحدة، بل يمعن في ذبح الإرادة على مهل، ويستطيب مشهد الانطفاء البطيء في روح ضحيته.
وما أكثر ما يلتبس هذا النوع من البشر على الناس. فالنرجسيّ لا يدخل المشهد في هيئة المجرم التقليديّ الذي تفضحه خشونة الملامح أو فجاجة السلوك أو غلظة اللسان، بل يدخل غالباً في صورةٍ منمّقة، متأنّقة، تحسن انتقاء العبارة، وتُجيد نصب الأقنعة، وتعرف كيف تشتري ثقة المحيطين بها بالهدوء حيناً، وباللباقة حيناً، وبالظهور في مظهر الوقور المتّزن حيناً آخر. ومن هنا كانت خطورته مضاعفة: لأنه لا يكتفي بإتقان فعل الأذى، بل يتقن كذلك إخفاءه، وتزييف صورته، وإعادة إخراج الجريمة بحيث يبدو فيها الجاني مصلحاً، وتبدو الضحية موضع ريبةٍ أو اتهام.
وليس النرجسيّ المؤذي مجرّد إنسانٍ مبتلى بحبّ الذات، كما تُشيع الثقافة السطحية في تبسيطها المخلّ، ولا هو شخصية متعبة فحسب، يمكن تجاوزها بشيء من الصبر أو المداراة أو حسن التأويل. إن هذا الوصف الهشّ لا يليق بفداحة ما يخلّفه ذلك الكائن حين يُحكم قبضته على نفسٍ بشرية. فالنرجسيّ، حين يبلغ مداه في الإيذاء، إنما هو جلّادٌ نفسيّ بارد، ينفذ إلى أضعف مواضع الروح، ويجعل من القرب مدخلًا للهيمنة، ومن الثقة سلّمًا إلى الإخضاع، ومن المحبة نفسها أداةً للاستنزاف والتدمير. إنه لا يقترب ليُعطي، بل ليأخذ. لا يدخل العلاقة ليبني عالمًا مشتركًا، بل ليقيم فيها عرشه الصغير على أنقاض الكرامة والسكينة واليقين.
ولعلّ الحقيقة التي لا بدّ من وضعها في صدر الحديث، بلا تلطيف ولا مواربة، أنّ كسر الإرادات عند النرجسي ليس أثرًا جانبيًا، بل هو جوهر الشهوة. إنه لا يستمتع بالطاعة وحدها، بل يستمتع بمشهد الانهيار الذي يسبقها. لا تكفيه الغلبة في موقفٍ عابر، ولا يشفيه أن يربح جدلًا أو يفرض رأيًا، بل يريد ما هو أعمق من ذلك كلّه: يريد أن يرى الإرادة وهي تتهاوى أمامه، والثقة وهي تتبخّر، والروح وهي تخرج من حصونها قطعةً بعد قطعة. في تلك اللحظة تحديدًا، لحظة التصدّع الداخليّ في نفس الضحية، يستشعر شيئاً يشبه اللذّة السوداء، كأنما انسكب في عروقه إحساسٌ كاذبٌ بالقوة. ذلك أن بعض هؤلاء خرجوا من تجارب خائبة، أو هزائم قديمة، أو شعورٍ متجذّرٍ بالنقص والضآلة، فلم يملكوا من الشجاعة ما يكفي لمواجهة خرابهم، ولم يحتملوا مشقة ترميم الذات بالاعتراف والمراجعة والعمل الصادق، فاختاروا الطريق الأدنى والأحقر: أن يرمموا شعورهم المنهار بالقيمة عبر تحطيم إنسانٍ آخر.
من هنا، يغدو القول إن النرجسيّ ميتٌ من الداخل ليس مبالغةً أدبية، بل تشخيصاً أخلاقياً ونفسياً بالغ الدقة. فهو، في حقيقته، خواءٌ متحرّك، وعجزٌ قديم يتزيّن بادعاء الاكتمال، وفراغٌ خانق يحاول أن يستر عورته النفسية باستلاب ما لدى غيره من حياة. إنه لا يملك من ذاته ما يغنيه، لذلك يقتات على إرادة الآخر. يشرب طمأنينته قطرةً قطرة، ويرتشف ثقته بنفسه، ويستنزف صفاءه، ويعتاش على حسن ظنه، وعلى صبره، وعلى ميله الفطري إلى التسامح والإصلاح. فإذا رأى من ضحيته ارتباكًا بعد اطمئنان، أو خوفاً بعد أمن، أو انكساراً بعد صلابة، شعر ـ لوهلةٍ عابرة ـ أنه قد بعث من موته، وأنه أمسك بالحياة من عنقها. غير أنّ الحقيقة أفجع من هذا الوهم: فهو لا يحيا، بل يتسوّل الحياة من خراب غيره.
وهكذا يبدأ النرجسي جريمته كما تبدأ الكوارث الكبرى: في هيئة نعمة. يظهر أول الأمر في صورة الحريص، المتفهّم، الحاضر بقوة، المبالغ في العناية، المتفنن في صناعة الأمان الزائف. يفيض وعودًا، ويُحسن الإصغاء، ويمنح ضحيته شعوراً مبهجاً بأنها مرئية، ومفهومة، ومصونة. حتى إذا أُسلمت إليه الثقة، وفتحت الروح أبوابها، واطمأن القلب إلى هذا القرب المصنوع بعناية، بدأ الفصل الحقيقيّ من المأساة: استحواذٌ ناعم، فعزلٌ تدريجيّ، فتشكيكٌ خفيّ، فإهانةٌ مغلّفة، فالتواءٌ متعمّد في الوقائع، حتى تنتهي الضحية إلى منزلةٍ تشكّ فيها في ذاكرتها، وفي تقديرها، وفي إحساسها بالأشياء. يطعنها ثم يسألها لمَ تتألم. يهينها ثم يصفها بالمبالغة. يدفعها إلى حافة الانهيار، ثم يقف ببرودٍ ليعرض هذا الانهيار نفسه بوصفه الدليل على اختلالها.
وتلك، في حقيقتها، ذروة الخبث: أن يصنع الجاني الجرح ثم يتخذ من نزيفه حجةً على المذبوح.
على أنّ المأساة لا تقف عند حدود الأذى الخفيّ، بل تتفاقم حين يكون المؤذي بارعًا في التحايل على القانون والمجتمع معًا. فهو يعرف جيداً أن كثيراً من صور العنف النفسيّ لا تترك دليلًا مادياً فاضحاً، وأن اللغة المسمومة كثيراً ما تنفلت من يد الإثبات، وأن القوانين، مهما تطورت، لا تزال عاجزةً في كثير من الأحوال عن الإحاطة بهذا اللون من الجرائم إحاطةً عادلة. ومن ثمّ، فهو يوزع أدواره بإحكام: يهدد حين لا شهود، ويهمس حين لا تسجيل، ويتلوّن بحسب مقتضى المشهد، حتى إذا بلغت الضحية باب النجدة، كانت قد بلغت معه مبلغ الاستنزاف كله: ذاكرة مثقوبة من فرط التلاعب، وأعصاب منهكة، ولغة مرتجفة، وكرامة مسحوقة تحت ركام السنين. وفي اللحظة نفسها، يظهر هو بسمته المهذبة، وهدوئه المصطنع، ومنطقه البارد، وعبارته الموزونة، كأنه النموذج الذي لا يستقيم في الذهن أن يكون مصدر كل هذا الخراب. وهنا تقع الجريمة الثانية، بل لعلها الجريمة الأشنع: تُحاكَم الضحية بآثار الجريمة، ويُكافأ الجاني بإتقانه إخفاءها.
وكم من ضحية لم تنهَر لأن الأذى كان بالغاً فحسب، بل لأن الحقيقة جاءت متأخرةً على نحوٍ يمزق العمر تمزيقاً. كم من امرأةٍ أو رجل أمضى سنواتٍ يفسر الإهانة على أنها عارض، والتلاعب على أنه سوء فهم، والإهمال على أنه ضغطٌ مؤقت، والخذلان على أنه ضعفٌ بشريّ عابر، ثم استفاق فجأةً على الحقيقة المدوّية: لم يكن محبوباً، بل مُستخدماً؛ لم يكن شريكاً، بل ساحةً تُمارَس عليها شهوة النرجسيّ في كسر الإرادات. عندئذٍ لا تسقط صورةٌ واحدة، بل يسقط عالمٌ بأسره. ينهار معنى الذكريات، وتتهاوى التضحيات، وتغدو السنوات المضيئة في الذاكرة مشاهدَ مشبوهة، ويكتشف الإنسان، دفعةً واحدة، أنّ ما حسبه ملاذًا كان في حقيقته مسلخاً نفسياً أُدير على مهل، وبإتقان، وبوحشيةٍ لا تحتاج إلى صراخ كي تكون مكتملة.
ولذلك فإن ما يصيب الضحية بعد انكشاف الحقيقة ليس حزناً عابراً، ولا خيبةً رومانسية تُطوى مع الزمن، بل هو زلزالٌ وجوديّ يخلخل أركان النفس من أساسها. إنها لا تبكي شخصاً خذلها فحسب، بل تبكي نفسها التي سُرقت منها، وثقتها التي انتُهكت، وكرامتها التي بُعثرت، وزمنها الذي أُهدر في خدمة وهمٍ كبير. كيف يثق الإنسان بحكمه على الأشياء بعد أن عُبث بإدراكه طويلًا؟ كيف يطمئن إلى ذاكرته بعدما تعرّضت للتمزيق الممنهج؟ كيف يعود إلى السكينة بعدما علم أنّ الكلمات الحانية كانت أفخاخًا، وأن الاعتذارات لم تكن ندماً بل تكتيكاً، وأن الوعود لم تكن عهوداً بل أدواتٍ لإطالة السيطرة؟ وكيف ينهض من جديد بعدما اكتشف أن كل لحظة ضعفٍ كشفها للطرف الآخر قد حُفظت في خزائن المؤذي لتُستخرج ساعة الحاجة كسلاحٍ أكثر فتكاً؟
ثم تأتي المرحلة التي ينبغي أن تتنبه لها المجتمعات، وأن تتواضع أمامها القوانين، وأن يتوقف عندها الخطاب الأخلاقيّ الساذج طويلًا: مرحلة الموت المعنويّ. فبعض الضحايا لا يقفون عند حدود الألم، بل ينحدرون إلى مناطق قصيّة من الانطفاء: يفقدون القدرة على النوم، أو على العمل، أو على التواصل الطبيعيّ، أو على الإحساس بمعنى الحياة نفسه. يتآكل الجسد تحت وطأة القلق، وتُنهك الأعصاب، ويهبط الإنسان في دركاتٍ من الاكتئاب قد تنتهي به إلى حافة الانتحار، لا لأنه ضعيف، بل لأنه تعرّض لعملية هدمٍ طويلة المدى، دقيقة الأدوات، متكررة الضربات، استهدفت مركز المعنى فيه. وعند تلك النقطة، يصبح من العار الفكريّ والأخلاقيّ أن نستمر في استخدام عباراتٍ رخوة من قبيل “علاقة سامة” أو “تجربة قاسية”. إننا، في مثل هذه الأحوال، لا نكون بإزاء علاقة فاشلة بالمعنى المألوف، بل بإزاء إعدامٍ بطيء للروح.
غير أنّ المفارقة الأشدّ سوادًا أن النرجسيّ، وهو يمضي في جريمته، لا يدرك ـ أو لعلّه لا يريد أن يدرك ـ أنّه ينتحر ببطء. نعم، ينتحر أخلاقيًا، وروحيًا، وإنسانيًا، وإن ظلّ قادرًا على الكلام، وعلى الظهور، وعلى إدارة صوره العامة بمهارة. كل ظلمٍ يرتكبه ليس دليل قوة، بل علامة سقوطٍ جديد في هوّته الخاصة. كل إرادةٍ يكسرها ليست نصراً، بل وثيقة إفلاسٍ أخلاقيّ. كل روحٍ يطحنها ليست غنيمة، بل شاهدة قبرٍ تُضاف إلى مقبرته الداخلية. إنه يغرق في وحل الظلم وهو يتوهّم الصعود، ويدفن ما تبقّى من إنسانيته بيديه وهو يحسب أنه يُقيم لنفسه صرحاً من الهيبة والسيطرة. والحقيقة، في صورتها العارية، أنّه لا يعلو، بل يتعفّن؛ لا ينتصر، بل يتآكل؛ لا يحيا، بل يؤجل سقوطه بأن يصنع سقوطاً جديداً لغيره.
وما المجتمع، في كثيرٍ من الأحيان، ببعيدٍ عن المشاركة في هذه الفاجعة. فهو حين يهوّن من هذا اللون من العنف، أو يفتن بلباقة المؤذي، أو يشكّك في رواية الضحية لأنها منهارة، أو يطالبها بالصبر والتجاوز وكأن الأمر زلّة عابرة، فإنه لا يخطئ التقدير فحسب، بل يسهم ـ من حيث يشعر أو لا يشعر ـ في إعادة إنتاج الجريمة.
فالصمت هنا ليس حياداً، والتخفيف من شأن الأذى ليس رأياً، والانبهار بالمؤذي لأنه متماسك ومقنع ليس براءةً فكرية، بل هو، في أحيانٍ كثيرة، تواطؤٌ أخلاقيّ مع الجلّاد.
ومن ثمّ، لا بدّ من تسمية الأشياء بأسمائها. فالنرجسي الذي يجعل من تحطيم الآخر وسيلته إلى الشعور الزائف بالحياة ليس “شخصاً صعباً”، ولا “طبعاً ثقيلًا”، ولا “مزاجاً حاداً”، بل هو ـ في الأثر والوظيفة ـ مجرمٌ نفسيّ. والضحية التي تتهاوى تحت وطأة هذا الخراب ليست ضعيفةً ولا موهومةً ولا دراميةً، بل هي إنسانٌ استُهدفت روحه في أخصّ مواضعها، وفُكّكت إرادته على مهل، وحُوصر في وعيه وإدراكه وكرامته حتى بلغ ما بلغ. أما ذاك الذي يقف أمام الناس نظيفَ الهيئة، منمّقَ العبارة، هادئَ القسمات، فيما وراءه قلوبٌ مسحوقة وأعمارٌ مهدورة وأرواحٌ مطفأة، فليس قويًا ولا ناجحًا ولا منتصراً، بل ميتٌ يتسوّل الحياة من انكسار غيره، ويمضي، مع كل ظلمٍ جديد، نحو انتحاره البطيء في المستنقع الذي صنعه بيديه.
تلك هي الحقيقة التي ينبغي أن تُقال من غير رتوش:
النرجسي لا يعيش، بل يعتاش.
يعتاش على نقاء الآخر، وعلى صبره، وعلى حسن ظنه، وعلى استعداده للمغفرة، وعلى ما في قلبه من حبّ، وما في روحه من سعة.
وحين يفرغ من نهش ضحيته، لا يكون قد اقترب من الحياة كما توهّم، بل يكون قد ازداد موتاً، وازداد وحلًا، وازداد سقوطاً.

التعليقات
الطقس
اليوم

الأربعاء, 03 يونيو 2026

Loading...
icon --°C

--°C

--°C

  • --%
  • -- kmh
  • --%

أخبار كندا العربية – للجالية والمجتمع العربي في كندا Radio

Live Radio Stream

أخبار كندا العربية – للجالية والمجتمع العربي في كندا Live

Live Video Stream