أخبار كندا العربية – للجالية والمجتمع العربي في كندا

أخبار

الخوا ظاهرة جديدة تهدد المجتمعات العربية في الشتات

الابتزاز السري وشبكات المصالح الخفية تعيد إنتاج ثقافة المحسوبية داخل بعض دوائر المجتمعات العربية....

الخوا ظاهرة جديدة تهدد المجتمعات العربية في الشتات

منشور: مارس 18, 2026

في بلد هاجر إليه العديد من العرب بحثًا عن حياة أكثر استقرارًا وعدلاً، هاربين من الفساد والظلم والابتزاز النفوذ، يكتشف بعضهم اليوم مفارقة مؤلمة. الممارسات التي ظنوا أنهم تركوها وراءهم في أوطانهم بدأت تعود للظهور، ولكن هذه المرة داخل بعض دوائر المجتمعات نفسها. بينما يحقق آلاف المهاجرين العرب قصص نجاح مشرفة في العمل والاندماج وبناء حياة كريمة، يتسلل بهدوء ظاهرة مقلقة إلى بعض البيئات المغلقة على الهامش، وهي عودة أسلوب "الخوّا" بشكل جديد، أكثر تعقيدًا وخفاءً.
الخوّا بمعناه الشعبي ليس إلا فرض منفعة أو ممارسة الخطف، وحرمان الحقوق، أو الاستيلاء على أموال الآخرين بالقوة أو الضغط. إنها ظاهرة مرتبطة في الذاكرة العامة بعصابات الأحياء أو المناطق التي يغيب فيها القانون وتضعف فيها المؤسسات. لكن المفارقة هي أن بعض مظاهرها بدأت تظهر اليوم داخل مجتمعات من المفترض أن تعيش في دول قائمة على حكم القانون والنظام. والفرق الوحيد هو أن الخوّا لم يعد يمارس من خلال التهديدات المباشرة أو العنف الصريح، بل يُدار بطرق أكثر دهاءً، مختبئًا خلف المال والنفوذ والعلاقات المغلقة، وأحيانًا خلف واجهات قانونية يصعب كشفها، ويمكن أن يكون أيضًا من خلال التشهير أو اغتيال شخصية الضحية.
المشكلة نفسها لا تتعلق بالنجاح الاقتصادي الذي يحققه بعض أعضاء المجتمعات العربية في الخارج، فذلك النجاح مصدر فخر للجميع ودليل على قدرة الإنسان العربي على العمل والاجتهاد أينما كان. لكن الخلل يبدأ عندما يتحول المال المكتسب دون معرفة مصدره الشرعي من وسيلة للنجاح إلى أداة للهيمنة، وعندما يعتقد بعض الأفراد أن امتلاك الثروة أو النفوذ يمنحهم حقًا غير مكتوب للسيطرة على مسارات العمل داخل المجتمع أو فرض نفوذهم على الآخرين.
غالبًا ما تبدأ هذه الممارسات بأساليب تبدو عادية على السطح. قد يجد صاحب مشروع صغير نفسه مضطرًا للتعامل مع شخص معين يفرض نفسه كوسيط في مجال العمل أو التجارة. مع مرور الوقت، يصبح هذا الوسيط بوابة إجبارية لا يمكن تجاوزها، مما يجبر البعض على دفع عمولات غير مبررة أو الدخول في علاقات تجارية غير متكافئة. في حالات أخرى، قد يواجه أصحاب المشاريع الجدد ضغوطًا غير مباشرة تدفعهم إلى "المساهمة" في نظام مصالح معين تحت أسماء قد تبدو اجتماعية أو تضامنية، بينما في الواقع، هو مجرد شكل حديث من الابتزاز المقنع.
الأخطر من ذلك، أن بعض من يمارسون هذه الأساليب لا يتصرفون كأفراد معزولين بل يسعون للجوء إلى شبكات ضيقة من العلاقات تشبه لوبيات صغيرة تتقاطع فيها المصالح والصلات المشبوهة في جميع القطاعات، بما في ذلك الأمنية والرسمية المهنية. داخل هذه الدوائر المغلقة، يبدأ تبرير السلوك المنحرف تدريجيًا، مقدمًا الابتزاز على أنه مجرد "إدارة مصالح"، ومصورًا الضغط الاقتصادي على الآخرين كنوع من "التأثير المشروع". مع مرور الوقت، تتحول هذه التبريرات إلى قناعة راسخة لدى بعض الأفراد، مما يجعل الانحراف لديهم سلوكًا طبيعيًا لا يرون فيه خطأ.
هنا تبدأ مرحلة أخطر من مجرد الابتزاز المالي، وهي تطبيع الانحراف داخل الوعي الفردي. قد يصل الشخص الذي يجد من يبرر سلوكه أو يشاركه إلى مرحلة يعتقد فيها أن ما يفعله ليس مقبولًا فقط بل مستحقًا أيضًا. مع مرور الوقت، يتحول هذا التفكير إلى شيء يشبه المرض الاجتماعي، حيث يصبح الشخص أكثر جرأة وغطرسة، ويبدأ في الاعتقاد بأنه يحق له الحصول على ما لدى الآخرين من خلال القوة الناعمة أو الضغط الاقتصادي أو عبر شبكة من العلاقات المشبوهة. وهكذا يتحول الخوّا من فعل محدود إلى نظام غير معلن يفرض نفسه داخل بعض الدوائر المغلقة.
ما يؤلم في هذه الظاهرة هو أنها تضرب بعمق طبيعة العلاقات التي من المفترض أن توجد داخل المجتمعات المهاجرة. فالمجتمع في الخارج ليس مجرد تجمع بشري عابر بل شبكة تضامن اجتماعي يعتمد أعضاؤها على بعضهم لمواجهة تحديات الحياة الجديدة. في مثل هذا البيئة، من المفترض أن تسود قيم التعاون والثقة والاحترام المتبادل لأن الغربة بطبيعتها تفرض نوعًا من التضامن بين الناس.
لكن عندما تتسلل ممارسات الابتزاز والضغط الخفي إلى هذه الشبكة، تبدأ الثقة بالتآكل تدريجيًا. يصبح صاحب العمل حذرًا من شريكه، ويخشى العامل الوسيط الذي جلبه للعمل، ويتردد المستثمر الصغير في دخول السوق خوفًا من الوقوع في شبكة المصالح المغلقة. مع مرور الوقت، يتحول المجتمع من مجتمع تعاوني إلى بيئة تهيمن عليها الشكوك والحذر، بيئة لا تزدهر فيها العلاقات الإنسانية الصحية والمشاريع الاقتصادية المستقرة.
لا يتوقف الضرر عند العلاقات الاقتصادية أو الاجتماعية بل يمتد ليؤثر على الثقافة والهوية التي تسعى المجتمعات العربية للحفاظ عليها في الشتات. غالبًا ما تسعى هذه المجتمعات إلى نقل قيمها الأخلاقية والاجتماعية للأجيال الجديدة وتقديم نفسها كنموذج للعمل الجاد والالتزام بالقانون.
لكن عندما يرى الشباب أمثلة من أبناء وطنهم يحققون النفوذ من خلال الضغط أو الابتزاز أو العلاقات المشبوهة، تكون الرسالة التي يتلقونها مربكة وخطيرة في الوقت نفسه.
بدلًا من تعزيز فكرة أن النجاح يأتي من خلال الاجتهاد والعمل والالتزام بالقيم، قد يستوعب البعض أن النفوذ الحقيقي يُبنى من خلال الخداع واستغلال الآخرين. هنا تتضاعف الخسارة: خسارة أخلاقية تضرب القيم التي نشأنا عليها، وخسارة اجتماعية تهدد صورة المجتمع ومستقبله في المجتمع المضيف.
إذا كانت لهذه الظاهرة جذور، فإن بعضها بلا شك مرتبط بسوء التربية أو التشوهات الفكرية التي تطورت في بيئات يُعتبر فيها استغلال الآخرين شكلًا من أشكال الذكاء أو القوة. كما أن الفشل في الاندماج الحقيقي في المجتمع المضيف قد يدفع بعض الأفراد إلى الانغلاق داخل دوائر ضيقة يعيدون فيها إنتاج أنماط سلوك سلبية حملوها معهم من بيئات مضطربة. ويضاف إلى ذلك الابتعاد عن الضوابط الأخلاقية والدينية التي تحرم الظلم واستهلاك أموال الآخرين بغير حق، وهي ضوابط شكلت تاريخيًا أحد الركائز الأساسية للثقافة العربية والإسلامية.
لا يمكن مواجهة هذه الظاهرة بالصمت أو المجاملة الاجتماعية، لأن الصمت هو البيئة المثالية لازدهار الابتزاز ونمو الجريمة. كلما شعر ممارسو هذه الأساليب أن المجتمع يتسامح معهم أو يخشى مواجهتهم، ازدادوا جرأة واتسع نفوذهم. لذلك، لا تقع مسؤولية مواجهتها على السلطات القانونية فقط، بل على أعضاء المجتمعات أنفسهم، وعلى القادة الاجتماعيين والثقافيين الذين من المفترض أن يكونوا موثوقين وأمناء ومؤهلين ويفهمون معنى تحمل المسؤولية لحماية القيم التي توحد الناس.
المجتمعات العربية في الشتات ليست مجرد تجمعات بشرية عابرة بل امتداد للثقافة والهوية وتاريخ طويل من القيم المبنية على العدل والتضامن واحترام حقوق الآخرين. إذا أردنا الحفاظ على هذه الصورة مشرقة، يجب أن نواجه كل السلوكيات التي تحاول تحويل المال أو النفوذ إلى وسيلة لابتزاز الآخرين، وتهديد سلامتهم، أو خطف أبنائهم. قد يمنح المال صاحبه قوة مؤقتة، لكنه لا يمنحه الشرعية الأخلاقية وسيفتح جحيمًا لا يُعرف مصيره. لا يمكن فرض الكرامة الإنسانية بواسطة "الخوّا"، ولا يمكن المساومة عليها تحت أي اسم أو ذريعة، لأن المجتمعات التي تسمح لتلك الممارسات بالتغلغل في نسيجها الداخلي تقوض أساس الثقة بين أعضائها وتفتح الباب أمام ثقافة الخوف بدلًا من ثقافة التعاون والاحترام المتبادل. في النهاية، يبقى المقياس الحقيقي لنجاح أي مجتمع هو قدرته على حماية أفراده من الظلم، لا توفير بيئة خصبة لتعزيز قدرة بعض أفراده على ممارسته وتوفير صيغ رديئة ولوبيات مشبوهة لحمايته.

التعليقات
الطقس
اليوم

الأربعاء, 03 يونيو 2026

Loading...
icon --°C

--°C

--°C

  • --%
  • -- kmh
  • --%

أخبار كندا العربية – للجالية والمجتمع العربي في كندا Radio

Live Radio Stream

أخبار كندا العربية – للجالية والمجتمع العربي في كندا Live

Live Video Stream