أخبار كندا العربية – للجالية والمجتمع العربي في كندا
أخبار
شكراً كندا …. خطوة طال إنتظارها وتحتاج حماية ومتابعة!
من المفوضية إلى السفارة… كيف يتحول الاعتراف إلى واقع ملموس؟
منشور: سبتمبر 27, 2025
في ظلّ عمليات القتل الممنهج وجرائم الحرب وسياسة التجويع التي يمارسها جيش الاحتلال الإسرائيلي بحقّ أهل قطاع غزة الأبرياء، جاء القرار الكندي الشجاع بالاعتراف بدولة فلسطين ليشكّل بارقة أمل طال انتظارها. لقد أعادت هذه الخطوة التاريخية الضوء من جديد إلى حلم الفلسطينيين بدولتهم الحرة والمستقلة، مؤكدة أن هذا الحلم، رغم العواصف، لم يعد بعيد المنال.
هذا الاعتراف لم يأتِ في فراغ، بل جاء في سياق دولي متغيّر تتراكم فيه الضغوط على النظام العالمي الذي أنهكه استمرار الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي من دون أفق سياسي. إن مشاهد الدمار في غزة أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الضمير العالمي، وأجبرت الرأي العام الغربي على الانتقال من حالة اللامبالاة إلى الضغط المباشر على حكوماته. أمام هذه التحولات، لم تعد كندا قادرة على الاكتفاء بموقع المتفرج أو الحياد السلبي، بل كان عليها أن تعيد تعريف ذاتها كدولة تؤمن بالعدالة وحقوق الإنسان، وتستعيد دورها كصوت أخلاقي في عالم يزداد هشاءة ونفاقاً وتحولاً كبيراً في الرؤى والتحالفات.
ولئن كان الموقف الكندي في العقود الماضية أقرب إلى الانحياز لإسرائيل تحت غطاء الوساطة، فإن هذا التحول يعكس التقاء بين المبدأ والمصلحة. فمن جهة، القرار ينسجم مع القيم التي تعلنها كندا دوماً حول الحرية وحقوق الإنسان والعدالة، ومن جهة أخرى فإنه يمنحها فرصة لاستعادة مكانتها الدولية كدولة مستقلة الموقف، بعدما ظلت تُتهم بالذوبان في السياسة الأمريكية. كما أن الضغط الشعبي الداخلي، من حركات طلابية ونقابية ومدنية داعمة لفلسطين إلى جانب الحراك البرلماني وداخل الحزب الحاكم وغيره من الأحزاب المؤمنة بحق الشعوب بالحرية والاستقلال، ساهم في خلق مناخ سياسي لا يمكن للنخبة الحاكمة تجاهله، الأمر الذي جعل الاعتراف أقرب إلى استجابة طبيعية لتطورات داخلية وخارجية متداخلة.
إن أهمية الاعتراف الكندي لا تكمن فقط في بعده الرمزي، بل في أثره السياسي والقانوني العميق. فهو يعزز الرواية الفلسطينية في مواجهة السردية الإسرائيلية التي لطالما حاولت إنكار وجود الشعب الفلسطيني ككيان سياسي. كما يضيف دعماً نوعياً للمسار القانوني في الأمم المتحدة والمحاكم الدولية، حيث يمنح الفلسطينيين سنداً جديداً في معاركهم الحقوقية. وإلى جانب ذلك، يشكّل ضغطاً أخلاقياً وسياسياً على الدول الغربية الأخرى، خاصة الأوروبية منها التي لم تعترف بعد بفلسطين كدولة، لتعيد النظر في مواقفها وتكسر حالة التردد والازدواجية التي وسمت تعاملها مع القضية الفلسطينية.
غير أن هذه الخطوة، على شجاعتها، لن تمر من دون مقاومة وضغوط مضادة. فمن المتوقع أن تتحرك إسرائيل بكل أدواتها الدبلوماسية والإعلامية للضغط كندا ووصم قرارها بالرمزية الفارغة، كما أن اللوبيات المؤيدة لإسرائيل داخل كندا نفسها ستسعى لتقويض هذه الخطوة الشجاعة أو الحد من آثارها. أما الولايات المتحدة، فليس مستبعداً أن تحاول ضبط الموقف الكندي خشية أن يشكّل بداية جديدة لسلسلة اعترافات غربية أخرى متلاحقة. وهنا تكمن الخطورة في أن يبقى القرار خطوة يتيمة من دون إجراءات عملية تحميه وتُرسّخه.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى خطوات ملموسة تترجم الاعتراف إلى واقع سياسي وقانوني. فالأمر يتطلب أولاً رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي الفلسطيني في أوتاوا من مفوضية عامة إلى سفارة رسمية، بما يمنح القرار قوة عملية ورمزية أكبر. كما ينبغي تعديل الخرائط الرسمية والمدرسية بحيث يظهر اسم فلسطين بدلاً من الاكتفاء بذكر الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو ما يعزز الاعتراف على مستوى الوعي المعرفي والمؤسسي. وإلى جانب ذلك، فإن إدراج فلسطين في الوثائق الرسمية الكندية، وخاصة في أنظمة الجوازات والهجرة بحيث يُكتب مكان الميلاد “فلسطين” بدلاً من “السلطة الفلسطينية” أو “غزة” أو “الضفة الغربية”، يشكّل خطوة حاسمة لإعادة تثبيت الهوية الفلسطينية في الحياة اليومية والقانونية للكنديين والفلسطينيين معاً.
لكن حماية هذا الاعتراف وتطويره لا يمكن أن يتحقق بالخطوات الكندية وحدها، بل يحتاج إلى جهد فلسطيني وعربي متكامل. فعلى القيادة الفلسطينية أن توحّد خطابها وتتحرك بفاعلية لبناء شراكة سياسية ودبلوماسية مع كندا، كما أن على الدول العربية أن توفر مظلة دعم أوتاوا لعدم الانصياع للضغوط والابتزاز السياسي المتوقع. أما على المستوى الشعبي والإعلامي، فدور الجاليات الفلسطينية والعربية في كندا يصبح محورياً في الدفاع عن القرار وتعزيزه، وربطه بالقيم الإنسانية التي يتبناها المجتمع الكندي.
إن اعتراف كندا بالدولة الفلسطينية ليس نهاية الطريق، بل بدايته. إنه وعد بالحرية يحتاج إلى حراسة، وخطوة شجاعة تحتاج إلى خطوات أخرى تثبتها في الوعي السياسي والقانوني العالمي. فالقوى التي تريد إفراغ القرار من مضمونه ستظل حاضرة، لكن الحقيقة أن فلسطين استعادت موقعها في الخطاب الدولي، وأن حلم الدولة لم يعد أسيراً لليأس. إن تحقيق السلام العادل والحفاظ على السلام العالمي يحتاج، إلى جانب الشجاعة السياسية، إلى تحقيق التوازن في التعامل والعلاقات، وهذا ليس بكثير على كندا التي تملك من الإرث الديمقراطي والقيم الإنسانية ما يؤهلها للقيام به.
قد تكون الطريق طويلة ومعقدة، لكن الاعتراف الكندي فتح نافذة تاريخية لا يمكن إغلاقها بسهولة. فلسطين لم تعد مجرد قضية منسية في الهامش، بل حقيقة سياسية تتجذر يوماً بعد يوم. وإذا كان هذا الاعتراف قد مثّل خطوة طال انتظارها، فإن حماية هذه الخطوة ومتابعتها هي مسؤولية جماعية، فلسطينية وعربية ودولية، تفرضها العدالة وتستلزمها القيم الإنسانية المشتركة. وبذلك يمكن القول إن ما بدأته كندا ليس مجرد موقف عابر، بل بداية مسار جديد يضع فلسطين حيث تستحق أن تكون: دولة حرة مستقلة، جزءاً طبيعياً من المجتمع الدولي، وصوتاً حياً في ضمير الإنسانية.
شكراً كندا …. خطوة طال إنتظارها وتحتاج حماية ومتابعة!