أخبار كندا العربية – للجالية والمجتمع العربي في كندا

أخبار

رفقاً بالكبار في عصر التكنولوجيا والعٌزلة الإنسانية...

بين تسارع التكنولوجيا وحنين الذكريات… كبار السن الحلقة الأضعف في زمن العزلة الرقمية

رفقاً بالكبار في عصر التكنولوجيا والعٌزلة الإنسانية...

منشور: فبراير 22, 2026

نعتقد اليوم بأننا نعيش في عالم متصل أكثر من أي وقت مضى، لكن لو سلطنا مجهرنا تجاه علاقاتنا الإنسانية سنكتشف بأن المجتمعات أصبحت أقل تماسكاً، صحيح أن وسائل التواصل الرقمية المختلفة قربت المسافات، لكنها خلقت فجوة عميقة بين الأفراد في المجتمع الواحد.

في أي تجمع عائلي أو للأصدقاء، نلاحظ بوضوح غياب الأحاديث المسترسلة والحكايات المشوقة بسبب ذلك الملعون الملتصق بنا حد الإدمان والمسمى الهاتف المحمول، نجلس كالأصنام كٌل يحمل هاتفه وعيناه تتبع ما يستجد على الشاشة، واقتصرت الأحاديث على ردود مقتضبة وتواصل جليدي، وأصبحت الزيارات هم ثقيل لأنها تٌبعد الأشخاص عن عالمهم الافتراضي لبعض الوقت.

المجتمعات الحديثة للأسف لم تعد تٌقاس بقوة الروابط الإنسانية بين أفرادها، ومدى ترابطهم وتراحمهم، لم تعد تستهوي الأفراد تلك الأنشطة الاجتماعية الجماعية التي كانت في السابق فرصة لتوسيع شبكة التعارف، اليوم وفي ظل لوثة الشهرة التي بات الكل يبحث عنها، اتجه الأفراد للعزلة والعيش في الدائرة الفردية والتركيزعلى كيفية بناء نسخ مشهورة لكسب المال السريع، وإرضاء الغرور البشري.

والسؤال هنا، هل نحن نتطور أمام هذه التغيرات التي حصلت في المنظومة القيمية والاجتماعية أم نحن نتجه الى المزيد من الانعزال الذي سيؤدي إلى فقداننا لجوهر المجتمع الإنساني المبني على التفاعل الحقيقي بين البشر؟!

على ما يبدو نحن سائرون باتجاه المزيد من العزلة مالم نٌقنن طريقة استخدامنا لوقتنا وتوزيعه بإنصاف ما بين نشاطاتنا العملية والاجتماعية كي لا يختل ميزان التواصل الاجتماعي ويتفسخ المجتمع ليصبح عبارة عن مجموعة من الأفراد لكل منهم حياة منفصلة مقسمة ما بين العمل والأجهزة الرقمية.

لقد تغيرت طبيعة البشر بفعل هذه التقنيات وتأثيرها على الأجيال المختلفة، فنحن نعيش في منظومة اجتماعية تضم كل الفئات العمرية والجندرية، فكيف يمكن أن يحصل بينها تفاعل منصف يحفظ لكل منهم خصوصيته وفي نفس الوقت يظل التواصل صحياً ومتوازناً وحميمياً؟؟! المشكلة إننا اليوم وفي ظل هذا التشويش المرعب لم نعد نملك رفاهية صفاء العقل والفكر كي نستمع لبعضنا البعض، كلنا يريد أن يوصل فكرته ويمضي قبل أن يستمع للرأي الآخر، بتنا ندور في فلك الأنا التي جعلت من الأفراد وكأن كل منهم يعيش على كوكب منفردكل مقومات الحياة فيه شاشة هاتف وخط إنترنت.

وحقيقة أرى بأن الفئة العمرية المظلومة في ظل لوثة العالم الرقمي هم كبار السن، ممن تخطاهم قطار الحداثة ووجدوا أنفسهم وحيدين يتابعون المشهد بدهشة ما بين شاشات لا يفهمونها، وإيقاع حياة سريع لا يمنحهم فرصة لاستيعاب ما يجري فيه، ولذلك هم يشعرون بالعزلة وإنهم لا ينتمون إلى هذا العصر.

في حديث لي مع أحد المعارف وهو من فئة كبار السن لقد قال لي بالحرف الواحد : لا بد أن نعترف بأننا ننتمي لطبقة الأميين الجدد، وهذه التسمية أثارت دهشتي فالرجل يحمل شهادة عٌليا ومثقف جداً وطلبت منه مزيد من الإيضاح لوجهة نظره، فقال لي: ألم تلاحظي صعوبة تعلمنا للتقنيات الحديثة؟ نسير ببطء كالسلحفاة للحاق بالتحديثات المتلاحقة، فينقطع نفسنا ولا نتعلم إلا القليل، بالإضافة إلى غربتنا عن بعضنا البعض، لذلك أصدرت فرماناً بعدم استخدام الهاتف إثناء زيارتي من قبل أبنائي وأصدقائي كي نعيد للقاءات حميميتها.

فكرت في كلامه وشعرت بغصة، نعم صدق الرجل في كل ما قاله، وهذا جعلني أفكر بالتركيز على فئة كبار السن بالذات في هذا المقال لشعوري بأنهم الحلقة الأضعف في هذا العصر المليء بالتعقيدات والمتناقضات.

ألم تلاحظوا بأنكم عندما تجتمعون بكبار السن تجدهم دائمي الحديث عن ذكرياتهم؟! هم متشبثون بالذكريات الجميلة لأنهم لم يستطيعوا أن يبنوا ذكريات حديثة فكل شيئ حولهم يسير بسرعة حتى البشر سرقتهم مشاغل الحياة وإدمان التكنولوجيا، لذلك فإن تحدثهم الدائم عن حياة زمان وناس زمان يعتبر مؤشراً على رفضهم أو عدم انسجامهم مع الحاضر الذي أشعرهم بحالة من العزلة وعدم الانتماء.

يشعرون دائماً بأن أيام زمان كانت أفضل من الحاضر، وإن العلاقات كانت أكثر صدقاً ومتانة ، وأن زمننا  زمن هش كل شيئ فيه سريع وغير دائم، وهذا صحيح لأننا لم نعد نعيش في مجتمعات تقليدية كالتي عرفناها أيام زمن الطيبين، بل نحن في اتفاق غير معلن على التعايش رغم اختلافاتنا وتغير عاداتنا والتعايش هنا بمفهومه الإنساني لا يعني بناء علاقات متينة، بل علاقات في أطر محدودة لتسيير الحياة.

لذلك يعيش كبار السن في حالة نوستالجيا دائمة تساعدهم على الاستمرار في بيئة مختلفة شكلاً ومضموناً عن تلك التي كانوا يعيشون فيها، ويشعرهم استحضار ذكرياتهم السعيدة بمشاعر إيجابية دافئة تدفئ جليد الحاضر وتخفف من حالة الملل بسبب محدودية نشاطهم الجسماني والاجتماعي.

هم يتذكرون الماضي كثيراً ويضربون الأمثلة من أحداثه لأن هذا يعزز شعورهم بالاستمرارية، لذلك فهم يشاركوننا بقصصهم القديمة وتجاربهم لأن هذا يمنحهم شعوراً بالأهمية وبأن لهم دوراً في تمرير بعض القيم والتجارب والخبرات للأجيال الأصغر.

ولأنهم يجدون صعوبة في التأقلم مع التكنولوجيا وتعقيداتها وإسلوب الحياة المتسارع، فهم يجدون في الماضي المرجعية المريحة والدائرة الأكثر أماناً لهم ومنها يستطيعون ربط الماضي بالحاضر كي لا ينفصلوا انفصالاً تاماً عن الواقع.

كيف يمكننا إسعاد كبار السن في عصر التكنولوجيا وتقليل شعورهم بالعزلة؟

لا ننكر بأن هناك جانب في التكنولوجيا مهم ويساعد كبار السن على تخطي عزلتهم وحنينهم لأبنائهم وأحفادهم الذين يعيشون في الاغتراب، لذلك أتمنى على كل مغترب أن يهتم بهذا الجانب ويخصص وقت لهؤلاء الكبار وأن يتواصل بانتظام مع والديه وأجداده وأقربائه عبر مكالمات الفيديو والصوت، وهناك العديد من التطبيقات التي تتيح هذا مجاناً، جميل جداً أن تسجل كلمات شوق لهم من خلال تسجيل صوتي  يحمل دفء مشاعرك، لكن يبقى التواصل الإنساني الواقعي هو الأساس والتكنولوجيا عامل مكمل له.

لنحترم خياراتهم ونساعدهم على تطوير اهتماماتهم عن طريق تطبيقات سهلة ومريحة ، عندها سيشعر كبير السن بأنه ينتمي لهذا العصر لأن أصعب شي هو الشعور بعدم الأهمية، وأن نتعامل معهم بصبر واحترام عندما نشرح لهم كيفية عمل هذه التطبيقات.

قربوا منهم الأحفاد كي يتعلموا منهم بعض القيم ، أطلبوا رأيهم ونصائحهم في شؤون حياتكم لأن كبير السن يشعر بالسعادة في أن يكون مستمراً في العطاء لا مجرد متلقي، كبير السن يحتاج إلى استعادة مكانته وثقته في نفسه وأن يشعربأنه مرئياً رغم زحمة الإنشغالات، وأنه مسموع ولرأيه قيمة.

قد يٌشفق الأباء أو الأجداد على الأبناء أو الأحفاد بسبب انشغالاتهم، ويعزفون عن الحديث ويلتزمون الصمت، لذلك يجب أن تكون المبادرة من الأبناء في فتح حوار، كسؤالهم عن أحوالهم ، أو حتى سؤالهم عن مواقف طريفة أو صعبة حصلت لهم في شبابهم، هذا سينقلهم لمراحل حياتهم التي عاشوها ويضخ فيهم طاقة رائعة ، مجرد الاصغاء لهم سيجعلهم يحلقون فرحاً وهذا بالتأكيد سينعكس على صحتهم إيجابياً. 

أيها الأبناء، تذكروا الكبار وخصصوا لهم مساحة من خارطة يومكم مهما كانت مزدحمة بالتفاصيل، أخبروهم عن أعمالكم، اطلبوا دعواتهم واستشيروهم، إسألوهم إذا هم في حاجة لشيئ ما ، تابعوا معهم الأخبار وما يجري في العالم من حولهم حتى لا يشعروا بالعٌزلة.

لقد أدبنا ديننا الحنيف ورسم لنا طريقاً واضحاً للتعامل مع الكبار من والدين أو أجداد بأدب واحترام، فلا نقل لهم أف ولا ننهرهما، ولذلك يجب أن ينتبه الأبناء دائماً لنبرة الصوت التي يستخدمونها في حديثهم مع الكبار، وأن يكون تعاملهم مع الكبار ليس من باب الواجب فقط، بل يجب أن يظهروا بأنهم في حاجة لدفء قربهم والجلوس معهم، فبرهم هو حضور صادق وشعوراً حقيقياً بالحاجة إليهم.

فالوحدة والعزلة تٌرهق القلب وتمزق الروح وتجعل كبير السن يزهد في الحياة ولا يٌقبل عليها، كل ما يريده الكبار حياة هادئة خالية من الضغوطات، وأن يكونوا محاطين بأحبتهم، يشاركونهم قصصهم وحكاياتهم، فلا تبخلوا عليهم بهذا الشعور الذي يجلب لهم السعادة والفرح.

اختتم هذا المقال بنداء لكل من أخذته الشاشات من تواصله الواقعي مع أقرب الناس إليه ، أن ارفعوا رؤوسكم قليلاً وضعوا هواتفكم جانباً، وتفاعلوا بأحاسيسكم الحقيقية، فهؤلاء الكبار قد يغادرونا في أي لحظة فاستغلوا وجودهم واسعدوا بهم واسعدوهم، ولا تؤجلوا زيارتهم لأن دقيقة بقربهم اليوم أغلى من ساعة غداً قد لا تأتي، وبرّكم لهم ليس خياراً بل هو نعمة تفتح لكم أبواب الخير في الدنيا وباب المغفرة في الآخرة.

دمتم بخير،

سلوى حماد

التعليقات
الطقس
اليوم

الأربعاء, 03 يونيو 2026

Loading...
icon --°C

--°C

--°C

  • --%
  • -- kmh
  • --%

أخبار كندا العربية – للجالية والمجتمع العربي في كندا Radio

Live Radio Stream

أخبار كندا العربية – للجالية والمجتمع العربي في كندا Live

Live Video Stream