أخبار كندا العربية – للجالية والمجتمع العربي في كندا
أخبار
الحوار ضرورة لتقليص مساحة الاختلاف مع الآخر...
التواصل والحوار بوابة الاندماج وبناء حياة مستقرة في المجتمع الجديد
منشور: مارس 18, 2026
في إحدى مقالاتي السابقة تطرقت الى ضرورة الاندماج في المجتمع من قبل المواطنين الجدد وتحدثت في عجالة عن بعض النقاط التي ترسخ لثقافة الاندماج والتي تعتمد على عدة عوامل أهمها التواصل وترسيخ ثقافة الحوار وتقبل الاختلاف مع الآخر.. ووجدت من باب المسؤولية الاجتماعية والإخلاقية أن أساهم ببعض الأفكار الإيجابية من واقع تجربتي التي قد تساعد القادمين الجدد في تخطي الفترة الانتقالية من حياتهم بروح ايجابية تفتح لهم أفاق المستقبل المشرق بإذن الله.
بلا شك كل منا يريد بيئة صحية يمارس فيها حق المواطنة على أكمل وجه وأن يربي ابنائه على أسس تكفل لهم حقوقهم في تعليم جيد وعمل محترم وتأمين صحي.. بيئة صحية تعني بيئة قادرة على استيعاب كل الاختلافات عن طريق ثقافة الحوار المؤطر بروح التسامح والتعددية الفكرية بعيداً عن الثقافة المونولوجية أو ما تسمى بثقافة الصوت الواحد التي تقصي الآخر وتصادر حقه المشروع في التعبير والتي سببت الكثير من التصادمات بين البشر..نريد أن نتحرر من مفهوم الأنا ومن ليس معي فهو ضدي ونرسخ لثقافة العمل الجماعي الذي يعطي مساحة لكل الأصوات ويتيح الفرصة لكل الأفكار لترى النور..
لقد خلقنا الله سبحانه وتعالى مختلفين وخلق لنا العقل كي نسخر هذه الاختلافات في الإبداع والتطوير.. هذه الاختلافات أقرها الإسلام كحقيقة راسخة في الآية 13 من سورة الحجرات كما حث على التعارف، إذ يقول الله عزّ وجل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)" صدق الله العظيم.
التعارف هو التواصل والتعرف على الأخرين بثقافاتهم المتعددة..
والسؤال هو كيف يمكن لمواطن جديد في بلد جديد أن يرسخ فكرة الحوار وتقبل الآخر الذي يختلف عنه ربما في كل شيئ؟!
من المعروف بأن الحوار هو وسيلة التواصل الأقدم بين البشر على اختلافهم عرقياً ، دينياً ، ثقافياً ويأتي التواصل اللفظي في مقدمة أدوات التواصل..وهذا يعتمد على اللغة والتي يعتبرها الكثيرون العائق الأكبر في عملية التواصل..
يشعر المواطن الجديد بالحرج أحياناً لعدم إجادته اللغة الرسمية في بلده الجديد فيركن الى الصمتوتجنب الاحتكاك مع المحيطين به...معظمنا جاء وهو يتحدث على الأقل لغة من إحدى اللغتين الرسميتين في كندا ولكن لكل منا طريقة في النطق متأثرة بلهجاتنا المختلفة إلى جانب إننا لم نتعود على ريتم النطق السريع الذي يتحدثون به في الشارع، بعضنا يجيد اللغة الانجليزية التي تعلمها في الجامعة وهي لغة علمية بحتة وليست اللغة المتداولة يومياً ولهذا وجب علينا أن نطور هذه الأداة المهمة في عملية التواصل عن طريق دراسة لغة المحادثة وهذا الخيار متوفر باللغتين الفرنسية والإنجليزية في كافة المقاطعات الكندية..
هل هذا كاف؟ هل يجب علينا أن نختبئ حتى نجيد اللغة؟ طبعاً لا..علينا أن نبدأ بما لدينا من إمكانيات لغوية ونطورها.
سألني أحد الأشخاص الذي قدم لي نفسه على أنه مهاجر جديد قدم إلى كندا منذ عام ونصف: يا ترى كم من الوقت أحتاج حتى أجيد اللغة؟
أخبرته بأن هذا يعتمد عليه وعلى مدى الجهد الذي سيبذله من أجل إجادة اللغة ونصحته بعض النصائح التي تساعد على اكتساب اللغة بطريقة أسرع والتي استخدمتها شخصياً بناءً على توجيهات أستاذة اللغة الفرنسية التي قالت لي بالحرف الواحد : أن اللغة لا تكتسب هنا في فصول الدراسة فقط، نحن وسيلة من الوسائل ولكن الوسيلة الأهم هي التواصل مع الناس في الشارع بدون خجل، ستخطئين وستجدين من يصحح لك الخطأ وهكذا تتعلمين اللغة، أيضاً عليك أن تدربي أذنيك على سماع اللغة من خلال متابعة برامج غير مترجمة على التلفاز أو متابعة الراديو"..بكل أمانة أفادتني هذه النصيحة كثيراً.
فلتكن البداية بالتواصل من خلال المحيطين بك ، مع الجيران مثلاً ، ولو كان تواصلاً غير لفظياً في البداية، أي عن طريق لغة الجسد كالابتسامة مثلاً ، كالتلويح بالكف تحية من بعيد..هذا سيكون مدخلاً لكسر الحاجز وخلق حالة من التآلف وبمرور الوقت سيتحول الأمر الى حوار لفظي من عدة جمل وربما يتطور إلى مناقشة قضاياً مهمة تخص المجتمع.
الحوار مصدر مهم للمعلومات وأي مواطن جديد يحتاج الى كل معلومة تخص كل مناحي حياته ولكن علينا أن نجيد ثقافة الحوار، وأن نعي تماماً بأنه لا يوجد إنسان ملماً بكل شيئ، وان كل منا في حاجة إلى رأي الآخر.. علينا أن نتعلم الموضوعية في طرح أفكارنا وأن نتحلى بمساحة من التفهم لو أختلفنا مع الآخرين..وأن نبني هذه المساحة على فرضية أن رأينا صحيح يحتمل الخطأ ورأي الآخر خطأ يحتمل الصواب..
عندما تتحاور مع معلمة أطفالك بالمدرسة ستعرف معلومات مهمة تساعدك في تربيتهم وتقصر عليك المدة في تعويدهم على حياتهم الجديدة..
عندما تتحاور مع جيرانك ستعرف الكثيرمن القوانين ستأخذهاعلى هيئة معلومة قصيرة ومفيدة وستوفر عليك الوقت في البحث والتجربة.
أنفتاحك على الفكر الآخر سيجعلك تعيد حساباتك وتبدأ في بلورة صورة جديدة لحياتك مبنية على معلومة واقعية وليس افتراض مسبق..ستعرف الكثير عن ثقافة الآخرين وستوضح لهم الكثير مما لا يعرفونه عنك فتذوب الحواجز تدريجياً بينك وبينهم.
بالحوار ستنفتح لك أفاق العمل، فعندما تتحدث مع المحيطين بك وتسوق نفسك في مجالك، ستجد الكثيرين يتطوعون بإعطائك عنواين وأرقام هواتف ويساعدوك في طريقة البحث عن عمل وربما يرشحونك في أماكن عملهم.
بالحوار ستصل الى نقاط اتفاق بينك وبين الآخرين ونقاط الالتقاء هذه بلا شك ستعود بالنفع على المجتمع.
انصح بالعمل التطوعي الذي يفتح الأبواب على مصراعيه للجميع وفي كافة المجالات، ستشعر بحالة من الرضى عندما تجد القبول من الآخرينونظرات الامتنان..بالعمل التطوعي ستتواصل مع شرائح مختلفة من المجتمع وتتعلم ثقافات جديدة تضيفها إلى رصيد أدواتك التي تقدم بها نفسك في مجال العمل.
حتماً ستتغير نظرتك للأشياء وستصيغ أهدافك بطريقة عملية وأكثر واقعية بحيث تكون قابلة للتحقيق.
بمرور الوقت ستلاحظون نتيجة للحوار مع الآخر بأن ثقافتنا العربية أصبح لها حضور على الساحة وستلاحظ بأن الكثير من غير العرب يتواجدون فيالمهرجانات التي تقوم بها الجاليات العربية، وتدريجياً سينزوي شبح الشعور بالغربة عندما تجد حرية في ممارسة طقوسك الدينية وعاداتك الإثنيةوحرص من حولك على تهنئتك في مناسباتك الدينية على سبيل المثال..
يحرص جيراني على معايدتي في أعيادنا كما أحرص على معايدتهم، وأشعر بأن الرابطالإنساني هو الأقوى على الإطلاق وأننا نكمل بعضنا البعض في هذه المنظومة البشرية.
تواصلوا مع الآخرين حتى لا تتسع بداخلكم هوة الغربة والبعد عن الأهل..تواصلوا حتى تساهموا في بناء حضارة الاختلاف وترسيخ أدبيات الحوار..تواصلوا حتى تتوصلوا مع الآخر الى صياغة راقية متناسقة لمجموعة من القيم الروحية والأخلاقية تؤطر العلاقة بين كل أفراد المجتمع.. لأن هذا هو الطريق لنهضة أي مجتمع وتطورهواستقرار أفراده.
دمتم بخير،
سلوى حماد