أخبار كندا العربية – للجالية والمجتمع العربي في كندا
أخبار
كم الساعة الآن بتوقيت الخذلان؟
د. بلقيس الكبسي (صحفية |كاتبة | شاعرة | روائية | صانعة محتوى أدبي)
منشور: نوفمبر 22, 2025
ساعة الخذلان لا تدور عقاربها لحساب الوقت، بل لمعرفة معادن البشر، واكتشاف حقيقة الناس، توقيتها ليس زمنًا، بل خيب، دقائقها تُقاس بعدد الطعنات التي غرزت، وثوانيها بعدد الأيادي التي تخلّت.
هذه الساعة يتساوى فيها الوقت، الأمس هو اليوم، واليوم يشبه الغد، الماضي فيها ذكرى مؤلمة، والحاضر جرحًا مفتوحًا على اتساعه
، والمستقبل خيبات مؤجلة.
توقيت الخذلان الوجوه فيه كالحة مؤلمة باردة يفوح منها رائحة الصدأ، هذه الوجوه ترتدي أقنعة شتى تُتقن لعبة التقوى، ترتدي جلابيب النُساك العُباد لتتمكن من الانقضاض على الضحايا من نقاط ضعفهم، وتلوك ألسنتها القسم بالله على مدار الاحتيال، في توقيت الخذلان الخونة لا يُرون تحت الأضواء الساطعة، بل تكشف العتمة سترهم.
في توقيت الخذلان مدرسة الحياة قاسية ساخرة، الامتحان فيها قبل الدرس، تباغتنا بالامتحان، ثم تلقننا دروسها القاسية على مهل، وتوصلنا إلى مصافي الاكتفاء والحذر، وبعد الفوات نكتشف أن هناك قلوبٌ نقية مخلصةٌ معطاءة، ولكن للأسف في اللحظة التي نكون قد أقفلنا فيها قلوبنا من فرط الوجع، ولم نعد بحاجة إلى أحد. في اللحظة التي لم نعد نستطيع أن نمنح مفاتيح أرواحنا لمن يُضيئون لنا الأنوار في العتمة، لأن لمعان الخونة أفقدنا الاستيعاب تحت الأ
ضواء الساطعة.
في توقيت الخذلان عقارب الساعة ليست اعتيادية، بل عقارب سامة تدور حول نفسها كأفعى، تطوق ثقتنا بالاختناق فلا ننجو إلا إذا تحولنا إلى بوصلة. توقيت الخذلان يهشم مرايا الثقة ويغرز شظاياها في أرواحنا، فتصبح الأوطان وجع، والأمان مرفأ للخوف، وتصبح الوجوه من حولنا نوافذ مزيّفة لبيوت مهجورة يسكنه
التوجس. في توقيت الخذلان تصبح لحظات الصمت فضاءً فراغًا ملبداً بالأسئلة التي تطحن القلب، ثم تعيد ترتيبه من جديد. عندما نصغي لوجع صمتنا، نرتدي ثوب السكون ونتعلم كيف نواجه عواصف الغدر دون أن نُهزم أو ننكسر.
في توقيت الخذلان الخيانات الكبرى لا تأتي من الخارج، بل من الداخل، من القريب فالأقرب، من حيث نظن أننا آمنون، فالسفن الآمنة لا تُغرقها العواصف العاتية،بل تفعلها الثقوب الصغيرة التي تختبأ في جوفها، إنه الداخل ذلك الهش سريع الكشف وسريع الانهيار. الذي يعلمنا أن الألم الحقيقي يصنعه القريب الذي وثقنا به، لأن الخيانات الكبرى تأتي من دائرة الثقة. حيث تكون الطعنة أقرب وأشد من قبل أولئك الذين تطوقنا أيديهم الغادرة، أولئك الذين نلوح لهم مستنجدين من الغرق فيلوحون لنا بالوداع.
في توقيت الخذلان لا نكتشف الجميع دفعة واحدة، لأنه توقيت يجيد التعرية على مهل، طعنة بطعنة. توقيت يختبرنا بالألم والابتلاء ليُرينا من ظل معنا، ومن كان فقط في لحظات الرخاء. توقيت يختبرنابالسقوط في أفخاخ الخذلان. والأصعب من الخذلان هو أننا تعلمنا الدرس واستوعبناها جيداً،ولكن بعد فوات الأوان. و
في نهاية المطاف، نحن لا نملك السيطرة على اختبارات الحياة وتوقيتها المباغت،لكننا نملك أن نتعلم من خيباتها وخذلانها، وأن نُحسن اختيار من نُعطيهم مفاتيح ثقتنا وقلوبنا. أن ندرك أن الوفاء معدن أصيل لا يلمع تحت الأضواء، بل يضيء حين تنطفئ الأنوار، في توقيت الخذلان أولئك الذين يصمدون معنا في العتمة، يستحقون أن يكونوا معنا تحت الأنوار، يستحقون أن نحتفظ بهم كمعادن نادرة لا تقدر بثمن، فهم كالبوصلة التي تشير إلى الجهة الصحيحة عندما تفشل كل الخرائط. أما أولئك الذين مارسوا علينا الخيبات و الخذلان وسقطوا عند أول اختبار، فسندعهم لحسابات الزمن - الذي تدور دوائره بعدالة تامة - سيخبرنا عنهم في المستقبل.