لقاء مع أ. خليل هاشمي إدريسي المدير العام لوكالة الأنباء المغربية

في لقاء هام مع أحد أعمدة الإعلام العربي بشكل عام والمغربي بشكل خاص، كان لصحيفة عرب كندا هذا اللقاء الهام مع مدير عام وكالة الأنباء المغربية الرسمية أ. خليل هاشمي إدريسي، حيث أدار الحوار رئيس التحرير م. زهير الشاعر 

 

 

س. أهلاً وسهلاً بكم أ. خليل هاشمي إدريسي وأشكرك على إتاحة الفرصة لنا بهذا اللقاء .. كمدير عام لأهم وكالة أنباء في المغرب وهي وكالة المغرب العربي للأنباء، كيف ترون أهمية ودور الإعلام في المغرب؟ 
شكراً لكم ومرحباً بكم في المغرب .. الإعلام في المغرب يعيش ثورة رقمية مهمة  كبقية دول العالم، وبلا شك هذا المد الرقمي يؤثر على كيفية العمل في الإعلام، لا يوجد مستقبل للإعلام دون الانتقال للإعلام الرقمي، هناك مؤسسات صحفية تعتمد على الصحف الورقية ، هناك تأطير الوسائط الاجتماعية ، لذلك لم تعد مميزات الصحفي المهني  واضحة لدى الرأي العام، ولهذا هناك تحديات كثيرة على المستوى الأخلاقي لأن مجموعة الوسائط تدخلت في الشأن الإعلامي المحض، نتمنى في المستقبل أن يكون هناك تحصين ذاتي في هذا الإطار حتى نعيد الممارسة الأخلاقية الضرورية للعمل الإعلامي.. 


س. من خلال الموقع الإستراتيجي للمغرب كبوابة رئيسية بين أوروبا وأفريقيا، كيف يساهم الإعلام تحديداً في موضوع التحديات التي تواجه المغرب بشكل عام والجاليات المغربية في المهجر بشكل خاص؟ 
ج. الإعلام له دور مركزي وأساسي ويعمل على تقديم المعلومة الصحيحة من مصادرها التي تحظى بمصداقية، لأنه بدون المعلومة الصحيحة لا يمكن معالجة  القضايا الهامة، كقضية الهجرة على سبيل المثال، أو قضية العلاقات بين الدول المستضيفة للمواطنين المغاربة، لا بد من ضبط الأخبار بمهنية ومصداقية حتى يكون التواصل جيد ولا يحصل تشويش لدى المهاجرين وعلاقتهم بدولتهم الأم والدول المستضيفة ، وهذا دور الإعلام المهني ، كذلك الأمر بالنسبة للتطرف، حيث وجب علينا أن نعالجه بالتوعية والمعلومة الصحيحة المنضبطة المحصنة بعيداً عن الإثارة التي قد تكون عواقبها غير محمودة.  


س. كما تعلمون ، لقد مرت على الأمة العربية خلال الأعوام المنصرمة الكثير من الأحداث ، وكثير من الدول العربية واجهتها تحديات هائلة،  وقد ساهم الإعلام بطريقة أو بأخرى،  إيجابية كانت أو سلبية حتى في تغيير أنظمة حكم، لكن ما يميز المغرب هي حالة الاستقرار الواضحة، فالمغرب كمتا هو واضح ينعم بالأمن والأمان والسلامة ويمثل نموذجاً ملهماً لكثير من بلدان المنطقة وشعوبها .. يا ترى ما هو دور الإعلام في هذا في هذا الأمر؟ 
ج. الإعلام لعب دوراً مهماً في هذا السياق خاصة بما تنعم به المغرب من حالة الاستقرار التي ترونها، فالإعلام المغربي كان دائماً فاعلاً في العملية الديمقراطية ، وكما تعلمون بأن المغرب يتسم بالتعددية الديمقراطية ، والمجال السياسي والاجتماعي والنقابي مفتوح منذ الستينات، وعندما جاء الحراك العربي جاء في بيئة متعودة على التنوع وتعدد الأفكار، وكان هناك إنفتاح ديمقراطي استوعب هذا الحراك العربي، ونستطيع أن نقول بدون مبالغة بأن الإعلام المغربي كان في المستوى المهني المتوازن، حيث كان يعمل على تقديم كل الأراء المختلفة ، الرأي والرأي الآخر، مما عكس مواقف ثابتة للوطن، وعكس طموح الشباب والمجتمع للتغيير ، وقاد نقاشاً عميقاً أدى إلى صياغة دستور 2011 الذي كانت صياغته جماعية في إطار لجنة ملكية.. لهذا تم استيعاب الحراك  والنقاش السياسي الذي جاء في مناخ ديمقراطي، والنتيجة كانت إصلاحات قوية وتغييرات عميقة أفرزت أغلبيات سياسية جديدة جميعها شاركت في حركة البناء المجتمعي والمؤسساتي القائمة. 


 س. هل أستطيع القول بأن الإعلام المغربي مارس ممارسات مستقلة، بمعنى انه كان على مسافة واحدة من جميع الأطراف المتعددة في المغرب أم كان يلعب دوراً موجهاً؟
ج. لا يوجد ممارسة مستقلة تجاه الوطن، كلنا ملتزمين أمام الوطن، مصلحة الوطن العليا هي اختيار شخصي وجمعي ومؤسساتي حقيقي، تحت هذه المظلة كان النقاش الديمقراطي، ولا يوجد هناك أي طرف مغربي خرج عن هذا الإطار، حيث كان كل طرف يتمتع بحرية الرأي وبإمكانه أن يعبر عن رأيه تحت هذه المظلة .
فعلى سبيل المثال عندما يكون الرأي والرأي المخالف محصوراً في إطار الديمقراطية والتعدد الذي يعتبر تقليد في المغرب، فإن من سيطلب الإصلاح سيطلبه تحت ثوابت الوطن وثوابت الأمة سينجح ، وهذا هو التوافق المغربي.
نعم قد قد نختلف في المغرب على البرامج ، المواقف، السياسات ، والمناهج، ولكن كلنا نتفق على مصلحة الوطن، حيث أننا جميعاً نريد التغيير والإصلاح والبحث عن الأفضل بما يحفظ المغرب، لكن دون فتنة أو زعزعة للاستقرار.. هذه هي الحضارة المغربية المعتدلة التي نعتز بها.


س. هذا يأخدنا إلى موضوع التعايش، حيث أن التعايش في المغرب يمثل نهجاً مُلهماً وقد نجح وانعكس على حالة الاستقرار والسلم المجتمعي في المغرب، هل لعب الإعلام اي دور في ترسيخ هذه المفاهيم  المعتدلة وحالة التعايش القائمة؟ 
ج. الأصل في الثقافة المغربية هو التعايش بين كافة شرائح المجتمع على اختلاف الأديان ، فهناك تعايش بين مسلمين ومسيحيين ويهود مغاربة، هناك فسيفساء ثقافية يجمعها الوطن، والإعلام عكس هذه الاختلافات والتعايش  وأصبح طرف في تدعيم هذا الاستقرار، وجعل الفضاء المغربي هو فضاء لقاء الثقافات وفضاء لقاء الممارسات الروحانية، مما يعكس اللٌحمة المغربية التي تجمع الكل.


س. فكرة الاندماج هي فكرة  أساسية لنجاح أي مجتمع، سواء داخل الوطن أو خارجه، كيف تنظرون لفكرة اندماج الجاليات العربية والمغربية في المهجر؟
ج. بداية أود القول بأن الإندماج هو أمر بالغ الأهمية حيث يفسح المجال أمام إلإنسان لكي يبدع في المكان الذي يقيم فيه ، ولا يمكنك أن تهاجر لبلد وتفرض عليها قيمك وعاداتك ، فعندما تعيش في المهجر لمدة طويلة وتصبح  مواطناً للدولة المستضيفة هناك معادلة جديدة  وعلاقة جدلية ما بين الهوية الأصلية والموروث الثقافي وبين التنازلات التي تقدمها في المجتمع الجديد، ودون هذه العلاقة الجدلية لا يحدث إندماج ، وبالتالي الاندماج ضروري في المجتمع الجديد، وبدون اندماج سيكون هناك فشل لكل من الدولة المستضيفة والمهاجر.


س. كإعلامي عربي ومغربي بارز،  كيف ترى أهمية دور الإعلام العربي في إنجاح عملية إندماج الجااليات العربية في مجتمعاتها الجديدة التي تعيش فيها؟
ج. هناك نوعين من الإعلام العربي ، فهناك إعلام تحريضي  يطالب بعدم التنازل في البلد المضيف والإبقاء على الهوية الاسلامية العربية كما كانت في البلاد الأصلية وهذا يخلق حالة من الانعزال، وهناك إعلام  منفتح يحاول أن يجد صلة وصل بين البلد المضيف والمهاجر لخلق علاقة سليمة بينهما، الانفتاح والاندماج يسيران معاً بنفس الاتجاه، وأنا أرى بأن الانفتاح يخص المرأة بصفة خاصة كونها ستحصل على حقوق جديدة وستصبح مستقلة مادياً وفكرياً وحقوق أخرى، حيث أن المرأة هي المحرك في جميع المجتمعات العربية وغير العربية، لذلك عندما تكون المرأة معزولة لن تستطيع الاندماج وهذا ينعكس على الأسرة بشكل عام، لأنها هي من تربي الأجيال، وأعتبرها هي المعيار الحقيقي للاندماج.


س. هناك الكثير من أبناء الجالية يتحسسون من هذه المفاهيم ويشعرون بأن الحرية المطالب بها للمراة  تمس بالعادات والتقاليد الموروثة وبالتالي قد تخلق حالة من الخوف والفزع لديهم  تمنعهم من الاندماج والانخراط بالمجتمع الجديد.
ج.  أعتقد أنه يتوجب عليهم التعاطي مع الفكرة بواقعية ، بما أنهم قد قرروا الانتقال للعيش في مجتمع غربي مختلف عن مجتمعهم الذي جاؤوا منه فعليهم أن يقدموا بعض التنازلات، وأن يغيروا نظرتهم للمرأة التي تمثل هي نصف المجتمع، المجتمعات التي تخاف من المرأة التي تعمل والمرأة المستقلة عندها مشكلة، مشاركة المرأة شيئ مهم لبناء أي مجتمع سليم، وكما نرى اليوم أنه في الخليج العربي والشرق العربي بدأوا ينفتحوا في هذا السياق وأصبحت المرأة تشارك في كل المجالات، حيث أن الإشعاع والحضارة نجدها في المجتمعات التي تشارك فيها المرأة الرجل جنباً إلى جنب في البناء، ولا يمكن أن تكون هناك دولة قوية ولها حضور في غياب الدور الفاعل للمرأة.


س. كيف ترون أهمية الإعلام في المهجر في مواجهة ما يسمى بالغزو الفكري  من قبل الجهات المتطرفة خاصة التي تستهدف شريحة الشباب؟ 
ج. الإعلام في المهجر يجب أن يعلن عن هويته، وأن يظهر قيمه بصراحة، فعندما تكون القيم واضحة سيصبح النقاش سهلاً، الإعلام يلعب دوراً مهماً لو كان مهنياً وواضحاً في منهجيته و سيكون الحوار ممكناً وبالتالي مواجهة كل هذه الأمور وإحتوائها بالطرق السليمة.


س. هل ترى أن هناك دوراً للإعلام في عملية في ترسيخ فكرة الاندماج للجاليات في المهجر وجعلهم أكثر انفتاحاً على الحوار والتعايش؟
ج. هناك بعض وسائط الإعلام تابعة لأجندات سرية خاصة،  وهذا أمر مخيف لأن هؤلاء لا يعملون بوضوح وشفافية، فعندما تكون القيم معلن عنها ومنفتحة سيكون هناك حوار وسيكون تقدم في اي مجال..
فمثلاً في فرنسا نجد أن لديها مشكل مع الإسلام هناك الذي نشأ على مدار ثلاثة أجيال، وليس مشكلتهم مع الإسلام عامة، ولكن عندما يقبل بلد كفرنسا أن يكون هناك ملايين من المسلمين الفرنسيين يمارسون دينهم بصفة شبه سرية فهذا ليس من قيم  الجمهورية الفرنسية التي تنادي بالحرية، وعلى الدولة الفرنسية ان تعترف بنزاهة بحق هؤلاء في ممارسة طقوسهم في النور وأن تؤطر ممارساتهم بطريقة قانونية لا تسمح بتسلل الأفكار المتطرفة إليهم، وبالنسبة للمسلمين لا يمكن أن يمارسوا طقوسهم الدينية بطريقة سليمة وواضحة إلا بدعم من البلد المضيف لهذه الجاليات وهذا ما يتوجب أخذه بعين الإعتبار من وجهة نظري.


س. لكن هناك كثيرون غير مسلمين متورطين في أحداث تطرف كما  حصل في نيوزيلندا وكيبيك لكن بقيت تهمة الإرهاب ملصقة بالمسلمين نوعاً ما، فكيف يمكن للإعلام العربي أن يغير هذه النظرة السلبية تجاه المسلمين؟
ج. الإعلام يمكنه أن يلعب دوراً هاماً في جميع المجالات .. عليه أن يشجع على الحصانة ضد التطرف وذلك عن طريق نشر قيم تجعل المواطنين يستوعبون مالهم من حقوق وما عليهم من واجبات،  وأن يكونوا فاعلين ومتواجدين بوضوح في المجتمع الذي يعيشون فيه ، حيث أن التطرف يغزو المجتمعات الضعيفة، فعندما تكون الجاليات ضعيفة وغير متمتعة بحقوقها سيتمكن منها الخطاب المتطرف بلا شك، ويجد له مكاناً بين أفرادها.
فعندما يكون هناك شباب عاطلين عن العمل على سبيل المثال ولا يدرسون فهم سيصبحون ضحايا سهلة وسيكون لديهم الإستعداد  لتقبل أي فكر متطرف، وعندما تكون الجالية متمتعة بحقوقها ولديها حصانة ووعي ومعترف بها لا يمكن أن ينجح معها خطاب من هذا القببل مهما بلغت درجة قدراته على الغزو الفكري.


س. ماذا تود أن تقول لأبناء الجالية العربية بشكل عام والمغربية بشكل خاص في كندا؟
ج. أود أن أقول لأبنائنا في كندا، انتم تعيشون في دولة جميلة وديمقراطية ، يجب عليكم أن تتعاملوا بديمقراطية ومسؤولية وحضارة مع البلد التي استضافتكم، عليكم أن تثروا المجتمعات التي تعيشون فيها بالإبداع وبالخلق والمشاركة الفعالة..