بينيت يفتح النار على الأردن ويحاول تحدي الملك.. وصاية المقدسات تُشعل الخلافات

منذ أسابيع عديدة ويحاول رئيس الحكومة الإسرائيلية نفتالي بينيت، اللعب بالنار من خلال تصريحات “مُبطنة وخبيثة” حول السيادة على المقدسات الإسلامية في مدينة القدس المحتلة، ويستفز بها المملكة الأردنية التي كانت دائمًا مواقفها صارمة وواضحة في هذا الملف الحساس.

بينيت لم يكتفي بلغة التهديد والوعيد بتغيير الوضع القائم في مدينة القدس المحتلة ومقدساتها ومحاولة السيطرة عليه بقانون القوة، بل تجرأ على أكثر من ذلك بعد تصريحاته المُفاجئة التي صدرت قبل أيام برفضه أي دور للأردن في المسجد الأقصى.

وقال في تصريح جديد نُشر له على مواقع عبرية عديدة وأبرزها “كان”، أنه يرفض الآن التواصل والتنسيق مع المملكة في أي ملف يخص المسجد الأقصى، ما يشكل إعلاناً صريحاً بأن لا وصاية هاشمية على “الأماكن المقدسة” في القدس المحتلة.
وسبق لبينت أن أعلن خلال جلسة الحكومة التي عقدت الأحد الماضي، أنه يرفض التنسيق مع أي طرف أجنبي بشأن المسجد الأقصى على اعتبار أن الحديث يدور عن أمر يخص “السيادة الإسرائيلية على المكان”، على حد زعمه.

وفي حال تشبث بينت بموقفه، فإن هذا يعني رفض إسرائيل طلب الأردن إضافة 50 حارسا جديدا إلى دائرة الأوقاف التابعة للأردن لاستخدامهم في ضبط الأوضاع في الأقصى، وهو الطلب الذي وافق عليه كل من وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي عومر برليف ومفتش عام الشرطة كوبي شفتاي بشرط الاستغناء عن خدمات الحراس المعروفين بدعمهم لحركة “حماس”، كما ذكرت قناة “كان”.

وحسب القناة نفسها، فإن شرطة الاحتلال قد أشادت بالدور الذي لعبه حراس الأوقاف خلال المواجهات الأخيرة بين المصلين وقوات الاحتلال التي اقتحمت المصليات داخل الأقصى.

وأشارت القناة إلى أن “القائمة الموحدة” برئاسة منصور عباس، أعلنت أنها قررت البقاء في الائتلاف الإسرائيلي الحاكم، بناء على تفاهم توصل إليه عباس ولبيد بشأن موافقة تل أبيب على التنسيق مع الأردن بشأن الأقصى إلى جانب التوافق على تنفيذ خطة خماسية لتطوير القرى والبلدات الفلسطينية داخل الخط الأخضر.
يشار إلى أن عباس سبق أن اشترط لبقاء قائمته في الائتلاف الحاكم، أن توافق إسرائيل على عدم اتخاذ أية خطوات في المسجد الأقصى بدون التنسيق مع العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني.

ورأى عضو المكتب السياسي لحركة حماس، عزت الرشق، تصريحات بينيت “تعديا صارخا على حقوق شعبنا المقدسة، وعلى الرعاية الأردنية الهاشمية للمسجد الأقصى المبارك، واستهتارا بكل الأعراف والمواثيق الدولية، مما يستدعي تحركا عاجلاً لإدانتها وتجريمها ووقفها بكل الوسائل المتاحة”.

وجدد الرشق التأكيد أن حكومة الاحتلال لا تملك الحق ولا القرار في السيادة على القدس والمسجد الأقصى، وقال “ما هذه التصريحات إلا محاولة يائسة لفرض واقع غير موجود إلا في أحلامهم، فلا سيادة ولاشرعية على أرض فلسطين التاريخية إلا لشعبنا الفلسطيني الذي سيحمي كل شبر من أرضها المباركة، وفي القلب منها القدس والمسجد الأقصى المبارك، وسيدافع عنها بالمقاومة الشاملة، حتى تحريرها والعودة إليها وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس”.

عمّان تهدد

الأردن توقف عند هذه التصريحات “التصعيدية” من قبل إسرائيل، وخرج وزير الخارجية أيمن الصفدي بتصريحات قوية للرد عليها، وقال في مقابلة مع قناة “المملكة” الأردنية: “الرسالة واضحة.. لا يمكن الاستمرار في الوضع الحالي في ظل غياب تام لأي أفق لتحقيق السلام العادل والشامل الذي يؤكد الأردن دوما أن طريقه الوحيدة هي حل الدولتين الذي يجسد الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس المحتلة على خطوط الرابع من حزيران 1967”.

وأكد الصفدي أن الوضع الحالي حيث يغيب الأفق السياسي خطير جدا، حيث تُقوض الخطوات الإسرائيلية على الأرض حل الدولتين وكل فرص تحقيق السلام الشامل، مشيرًا إلى أنه سيكون هنالك حوار واضح وصريح مع القيادات الأمريكية حول ضرورة تفعيل الجهود المُستهدِفة إيجاد أفق سياسي حقيقي.
وحول الأوضاع في القدس، قال الصفدي إن الأردن وقبل شهر رمضان عمل بشكل مكثف من أجل الحؤول دون أي خطوات إسرائيلية استفزازية، تؤدي إلى تفجر الوضع، مشيرا إلى أن الملك قاد جهودا مكثفة من أجل ذلك.

وشدد على أن لا سيادة إسرائيلية على المقدسات، القدس هي أرض فلسطينية محتلة.. إسرائيل كقوة قائمة بالاحتلال لا تملك أي سيادة على الحرم القُدسي الشريف / المسجد الأقصى الذي يشكّل بكامل مساحته البالغة 144 دونما مكان عبادة خالص للمسلمين”، مجددًا التذكير بأن إدارة المقدسات الإسلامية التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية هي الجهة صاحبة الصلاحية الحصرية في إدارة كل شؤون الحرم الشريف، وهذا هو الوضع التاريخي والقانوني القائم.

وصرح الصفدي “موقفنا واضح.. لا سيادة إسرائيلية على المقدسات.. الأوقاف الأردنية هي الجهة الوحيدة التي تديرها، ونرفض أي إجراء إسرائيلي يستهدف تغيير الوضع التاريخي والقانوني، كنا قلنا سابقا ونقول الآن بأن أي محاولة لتغيير الوضع التاريخي والقانوني في المقدسات الإسلامية والمسيحية هي لعب بالنار، هو تحدّ لمشاعر لأكثر من مليار ومئتين مليون مسلم، وهو دفع المنطقة باتجاه المزيد من التأزيم”.

وتابع وزير الخارجية الأردني قائلا: “الرسالة واضحة والموقف واضح.. لا سيادة لإسرائيل على المقدسات.. القدس المحتلة هي عاصمة الدولة الفلسطينية التي يجب أن تتجسد حرة مستقلة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 سبيلا لتحقيق السلام الشامل والعادل”.

فيما وصف النائب محمد الظهراوي، رئيس لجنة فلسطين بمجلس النواب الأردني، تلك تصريحات بينيت بأنها “انقلاب على الواقع التاريخي والديني في المسجد الأقصى المبارك والقدس الشريف”، مضيفًا “الكيان الإسرائيلي قوة احتلال استعمارية تُمارس الإرهاب والإجرام ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، ولا تمتلك أي شرعية دينية وتاريخية وقانونية في المدينة المُقدسة”.

وأوضح أن “المسجد الأقصى، البالغة مساحته 144 دونمًا (الدونم الواحد يساوي ألف متر مربع) إنما هو حق خالص للمسلمين وحدهم، ترعاه وصاية هاشمية مباركة، التي يحملها صامدًا ثابتًا على الحق الملك عبدالله الثاني”، مجددًا رفض بلاده للتقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى، و”الوقوف بكل صلابة في وجه الضغوطات المباشرة وغير المباشرة التي يتعرض لها” ومؤكدًا أن القدس ستبقى العاصمة الأبدية لفلسطين.

تاريخ الوصاية
ويعود تاريخ الوصاية الأردنية على القدس ومقدساتها إلى عام 1924، خلال فترة حكم الشريف الحسين بن علي، حيث تبرع حينها بمبلغ 24 ألف ليرة ذهبية؛ لإعمار المقدسات الإسلامية في الحرم القدسي الشريف.
وأُطلق على تلك الخطوة حينها، الإعمار الهاشمي الأول، ليتم بعدها مبايعته وصيا على القدس.
وعام 1950، أعلنت الأردن وفلسطين ما يعرف بـ”الوحدة بين الضفتين (الشرقية للأردن والغربية)”، وبعد فك الارتباط عام 1988 تم استثناء القدس لتبقى تحت الرعاية الأردنية.

وبعد تولي الملك الراحل الحسين بن طلال الحكم بالأردن، أمر عام 1953 بتشكيل لجنة ملكية بموجب قانون خاص؛ لإعمار المقدسات الإسلامية في القدس، وكان أبرز ما قامت به هو إزالة آثار الحريق الذي تعرض له المسجد الأقصى في أغسطس/ آب عام 1969، وسميت تلك المرحلة بالإعمار الهاشمي الثاني.

واصل ملك الأردن الحالي عبد الله الثاني مهمة آبائه وأجداده، وفي عام 2002، وضع اللوحة الزخرفية على جسم منبر صلاح الدين، بعد أن طاله حريق عام 1969.
إضافة لذلك أجريت الكثير من أعمال الترميم والصيانة، والتي كان آخرها تجديد فرش المسجد القبلي والصخرة المشرفة في المسجد الأقصى على نفقة الملك الأردني الخاصة في فبراير/ شباط الماضي.
واحتفظ الأردن بحقه في الإشراف على الشؤون الدينية في القدس بموجب اتفاقية “وادي عربة” للسلام، التي وقعها مع إسرائيل في 1994.

وتنص الفقرة الثانية في المادة 9 من ذات الاتفاقية بأنه “تحترم إسرائيل الدور الحالي الخاص للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس، وعند انعقاد مفاوضات الوضع النهائي ستعطي إسرائيل أولوية كبرى للدور الأردني التاريخي في هذه الأماكن”.

رعاية شاملة
ويتبع للأردن العديد مـن المؤسسات والهيئات التـي تُعنى بشؤون القـدس والمقدسـات فيها، ومنها وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية، حيث تقوم برعاية شؤون المقدسات الإسلامية في القدس منذ عام 1950 ولغايـة الآن.
وتقوم الوزارة بإدارة المسجد الأقصى المبارك وصيانته، وأنشأت فـي القدس دائرة اسمها دائرة الأوقاف ويتبع لها قسم الآثار الإسلامية الذي يقوم بتوثيـق وصيانة المعالم الإسلامية المعرضة للخطر.

كما يتبع للأردن دائرة قاضي القضاة، والتي تشرف على المحاكم الشرعية في القدس ويجري تنسيق كامل بين الجهتين في جميع الأمور المتعلقة بالأحوال الشخصية.
ومن المؤسسات الأخرى، تقوم “لجنة إعمار المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة” (تشكلت عام 1954) بالإشراف على أعمال الإعمار في المعالم الدينية والتاريخية المختلفة في الحرم القدسي الشريف.

أما اللجنة الملكية لشؤون القدس، فقد تشكلت عام 1967، وأًعيد تشكيلها عام 1994؛ لرعاية شؤون القدس وإبراز قضيتها لدى المحافل الدولية والرأي العام العالمي.
وكانت آخر مؤسسة جرى إنشاؤها من قبل الأردن، هي الصندوق الهاشمي لإعمار المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة عام 2007.

ويهدف الصندوق إلى توفير التمويل اللازم لرعاية المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة والمقدسات الإسلامية في القدس الشريف، لضمان استمرارية إعمارها وصيانتها وتوفير جميع المتطلبات اللازمة لها.
تجدر الإشارة إلى أن العاهل الأردني عبد الله الثاني وقع في مارس/ آذار 2013، مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، اتفاقية تعطي المملكة حق “الوصاية والدفاع عن القدس والمقدسات” في فلسطين.