آخر تحديث :الخميس 27 فبراير 2020 -

لقاء مع الفنانة التشكيلية والأديبة هنادي بدر

  • لقاء مع الفنانة التشكيلية والأديبة هنادي بدر

س. بداية أرحب بك أ. هنادي في هذا اللقاء في ركن عين على الجالية من صحيفة عرب كندا، والتي نسلط فيه الضوء على أفراد الجالية العربية المميزين، لو تكرمت عرفينا بالفنانة والأديبة هنادي بدر صاحبة الريشة المبدعة والقلم الراقي الجميل..
أنا الطفلة التي ولدت في مدينة الخليل بفلسطين عام 1975  وتنفست هواء فلسطين ولعبت في أزقة حارة القزازين، أنا الطفلة التي استعارت اللوح والطبشور من جدها الختيار صاحب مقهى بدران لترسم أولى لوحاتها عندما لم يتعدى عمرها الخمس سنوات، وأنا الطالبة المجتهدة التي زينت لوحاتها أروقة وممرات مدرستها لتبث الجمال والفرح وتبني بينها وبين من حولها حواراً حرفه لون ولغته فكرة وشغف يصل للآخر على شكل لوحة فنية، وأنا الفتاة التي حولت حلمها وصقلت موهبتها بدراسة الفنون الجميلة في فلسطين لتعمل معيدة في كلية فلسطين لوقت قصير قبل مغادرتها أرض الوطن مع عائلتها الصغيرة لتبني مستقبلاً وتكتشف وتختبر الكثير في رحلة غنية بالكثير. 
 س .هناك مدارس متعددة في الفن التشكيلي، فهناك المدرسة الواقعية التي ساهمت بنشأة كل من المدرسة الرمزية والتعبيرية ، وهناك المدرسة التجريدية والمدرسة التكعيبية، والسريالية ..الخ ، فإلى أي مدرسة فنية تنتمين؟
 كطالبة للفن كان لا بد من التجريب وإختبار مختلف الأساليب، لذا رسمت لوحات بأسلوب واقعي ورمزي ولوحات تأثيرية وقد مضى على تخرجي أكثر من عشرين عاماً إختبرت خلالها معظم الأساليب في الفن التشكيلي غير أن ما يغلب على أعمالي هو التعبيرية التي امتزجت تارة برمزية حالمة وظهرت بألوانها الجريئة وخطوطها الحادة القريبة من التكعيبية تارة أخرى، وربما هي البصمة التي تميز عمل الفنان فيصعب وضع أعماله ضمن إطار وتحت مسمى محدد. 
س.كيف دخلت عالم الفن التشكيلي ،  حدثينا عن ميلاد أول لوحة فنية ، ومن أكتشف موهبتك؟
 كنت أحب الرسم كما ذكرت منذ الصغر، وفي الصف الثاني الإبتدائي طلب منا رسم لوحة للسوق في مدينتي، أذكر أن معلمة  الفن لم تصدق أنني أنا من رسمت اللوحة وطلبت أن أعيد رسمها أمامها ثم أرسلتها للمشاركة بمسابقة فنية على مستوى المدينة لتفوز في المسابقة وتكون فرحة الفوز من فتح قلبي وعيني على الإستمرار في تطوير موهبتي في ذلك الوقت .  
 س. هل الموهبةُ وحدها تكفي وهي العنصر الأساسي للإبداع أم أن الموهبة بحاجة إلى دراسة لصقل الموهبة؟
الرسم قد يكون مهارة عند البعض ويمكن تطويرها بالتدريب والعمل المستمر، لكن بدون الموهبة يكون العمل الفني فاقداً للروح فالموهبة هي الغرس الذي يحتاج إلى رعاية وحب، والدراسة تعمل على صقل جوهرة الإبداع وتميزها، فللعمل الفني عناصر تبدأ بالنقطة  والخط واللون والشكل وهناك أسس تربط بين هذه العناصر لتنتج عملاً يراعي الإنسجام والتوازن والحركة والإيقاع في اللوحة والتي تؤثر على شكل ومضمون العمل ليظهر بقوة ويفرض وجوده بذكاء جمالي فيصل إلى عين وقلب المتلقي بسلاسة وتتلقاه حواس المتذوق بترحيب فيحصل على حالة من الإتزان عندما يحاول إستعادة الحالة التي مرّ بها الفنان أثناء إنتاجه لهذا العمل.   
   س: من يتابع لوحاتك سيلاحظ حضور البيئة الفلسطينية فيها بكل ما فيها من قيم حضارية وإنسانية ، وسيلاحظ الحضور القوي للمرأة في لوحاتك ، هل هذا نوعاً من الولاء للوطن فقط أم أن البيئة الفلسطينية غنية بالعناصر التي تغذي الإبداع لدى أي فنان ، وماذا تعني لك المرأة التي تأخذ حيزاً كبيراً في أعمالك الفنية؟
الإنسان ابن بيئته والفنان بشكل خاص تكون له علاقته الخاصة المختلفة والمتميزة مع محيطه وهو يعيش تفاصيل محيطه من الناحية المادية الملموسة فلا يمر بجانب زهرة أوحجر إلا وحمل في جعبته جمال عطر أو قصة أثرت به وبنت فيه مخزوناً من الحب والذكريات التي يسترجعها وقت المحن عندما يقف أمام اللوحة البيضاء لينسج لوحة من الفرح أو يصور ثورة تجول في خاطره، كما يتأثر الفنان عاطفياً وبشكل عميق بكل التفاصيل الاجتماعية والسياسية لبلده ويظهر ذلك في لوحاته، وكما ذكرت فإن المرأة أخذت حيزاً كبيراً في أعمالي الفنية فهي الرمز الأوسع إحتواءً، المرأة هي الأم وهي الوطن، هي الشموخ والعزة والكرامة والتضحية وهي المهد والصديقة والرفيقة والصمود، المرأة في لوحاتي هي فلسطيني أنا، وهي وطن المقيم، وأمل المهجّر… 
س. يستوحي الفنان التشكيلي رسوماته من محيطه وواقعه ، لكن لكل فنان بصمته التي تميزه..يا ترى من أين تستوحي هنادي أفكار لوحاتها، وما هي البصمة التي تتميز بها لوحاتك؟
لوحاتي هي أنا، بفرحي وحزني، بأملي وألمي ، لوحتي هي ذكريات الطفولة في فلسطين الحبيبة، هي الحنين الدائم للأهل والأصدقاء وتراب الوطن، وهي أسفاري ، فيها رمال الإمارات حيث أقمت لمدة ثماني سنوات، فكنت أغطي قماش لوحتي برمل المكان قبل أن أضع ألواني على اللوحة وحملت معي من هناك الكثير من الخبرات والمشاهدات والزيارات للمعارض، ولوحتي مساحتي البيضاء المستفزة التي أسكب عليها ما يجول في هذا القلب والعقل، لذا أعتبر ان بصمة عملي صدقها وكونها مرآة تَصْدُقُني أنا أوّلاً.   
س. من خلال تجربتك في الفن التشكيلي ، ما هي التحديات التي واجهتها وكان لها أثر على عطائك الفني؟
الحقيقة التحديات مشتركة بيني وبين الفنانين التشكيليين في الوطن العربي بشكل خاص وحتى في العالم بشكل عام، وهي كيفية إيصال عملك الفني لمن يتذوق ويقدر الفن، وتغيير الفكرة النمطية عن الفنان واللوحة ، في بداية مشواري قال لي أحد الفنانين أن الفن هو للنخبة فلا تنتظري من العامة الاهتمام والتقدير للعمل وانا كنت مصرة دائماً على أن الفن للجميع وعلينا كفنانين مسؤولية نشر ثقافة ارتياد المعارض وتذوق الفن، ومن ثم نشر فكرة وثقافة اقتناء العمل الفني والذي يعتبر قيمة مادية وروحية مهمة، لذا نرى سوقاً  نشطاً  للفن في الغرب ولكن في الوطن العربي لازلنا بعيدين إلى حد ما عن وضع العمل الفني والمبدع في مكانه الذي يستحق،  وربما لأن الفن في المفهوم السائد هو رفاهية وحاجة ثانوية وللأسف الوضع السياسي الإنساني المفروض علينا لم يفسح المجال للكثير من الفنانين الإزدهار والتألق والإنتشار.   
 س.مالذي يستفز هنادي ويجعلها تعتكف في مرسمها لإنتاج عمل فني ، وهل هناك ثمة طقوس معينة تمارسينها وأنت ترسمين؟
الحياة ملئية بكل ملهم ومستفز على حد سواء والفنان كما ذكرت هو ابن بيئته ومحيطه ، فكما أن فلسطين بجمالها وتفاصيلها كانت ملهمي الأول أيضاً يستفزني جمال الطبيعة وكندا غنية بالجمال ونبع للإلهام وقد إمتلأ مرسمي بلوحات الأزهار والأشجار ولوحات المدن كما ازدحم بلوحات زينتها قبة الصخرة برمزيتها للقدس الحبيبة وزهرة شقائق النعمان برمزيتها للربيع في فلسطين ولكون لونها الأحمر يحمل رمزية لإكتساب لونه من دماء شهداء الوطن، ويكفي أن أضع أمامي لوحة بيضاء لتستفزني وأبدأ بالرسم، عندما أرسم أذوب في العمل ويعلم أبنائي وعائلتي ان إدراكي لما يجري حولي يختلف وهنا فرصة أبنائي لإنتزاع الموافقة  والقبول بأي أمر كان مرفوض سابقاً، هنا يحصلون على كلمة نعم دون تفكير. 
 س. يقولون أن النقد هو عبارة عن إعادة خلق لأي عمل إبداعي، ما رأيك في الحركة النقدية بالنسبة للفن التشكيلي في الوطن العربي، وكيف تعاملت مع النقد بخصوص أعمالك؟ 
أحترم كل نقد بناء مبني على معرفة بعناصر وأسس العمل الفني، والنقد المنطقي المدروس مهمته الإرتقاء بالفن والغربلة أحياناً، وربما كانت رادعاً أحياناً ومنظماً وطريقاّ للإرتقاء بمستوى ما يعرض، فيقلل من استهانة البعض ممن يقومون بعرض أعمال دون المستوى وأعمالاً يستخف منتجوها بالمتذوق، غير أني في نفس الوقت ضد أن يتعرض العمل الفني للتشريح ووضعه تحت مجهر يجرده من روحه ويتجاهل الحالة الحسية والنفسية للفنان أثناء إنتاج العمل ، فكما ذكرت اللوحة جسد وروح لا يمكن الفصل بينهما لتتميز. 
 س. إلى جانب إنك فنانة تشكيلية فأنت أديبة ولك إصدار أدبي، حديثنا عن تجربتك الأدبية؟
 الحقيقة على الرغم من أني كنت طالبة بالفرع العلمي وكنت من المتفوقين أيام الدراسة في هذا الفرع، غير أني كنت وما زلت عاشقة للغة العربية والحرف الجميل، وكانت لي مشاركات في النادي الأدبي في مدرستي الثانوية، وعندما كنت في الإمارات كانت لي مشاركات أدبية في صحيفة الخليج ، وفي كندا وفي بداية قدومي وإقامتي في مدينة لندن كانت لي زاوية خاصة في صحيفة البلاد بعنوان ثابت وهو من مذكرًات امرأة كانت هناك… هذه الزاوية استقبلت خواطر كتبتها على مدى أربع سنوات، كنت أبث من خلالها الشوق والحنين للوطن بكل تفاصيلة، كانت نافذتي التي أخاطب من خلالها من يشاركني الكثير من مشاعر الحب والشوق والصبر والأمل، وقد قمت بعد فترة من التوقف عن الكتابة في الصحيفة بجمع ما كتبت في كتاب من جزئين وحمل الكتاب نفس العنوان، من مذكرات امرأة كانت هناك… كما يضم الكتاب صوراً لمجموعة من لوحاتي لترافق الخواطر، وقد تمت طباعة ونشر الكتاب الشهر الماضي في فلسطين وهناك عدد من النسخ موجودة في كندا.     
 س. لفت نظري تعليق جميل لك على إحدى لوحاتك يقول:
"عندما تعود خذ ظلال أشواقك وكل أفكارك، وحقائب السفر وخذ الحنين وبعض صور الأصدقاء الأوفياء وما تبقى من الوقت لتحيا ميلادك الأول وبداية تكوينك الذي انتظرت ... واجمع حزمة بيضاء من نوارس الفلك … و خذ معك إيَّاك وخذ أخاك وطفلك المنتظر، وخذني معك "
هل تقصدين هنا بأن العودة للوطن ستكون بمثابة ميلاد جديد ؟

 في كل مرة أزور فيها فلسطين أحظى بميلاد جديد، في أي مكان نعيش الحياة نعمل ونبني وتستمر عجلة الحياة ولكن الرجوع للمهد ميلاد جديد فهناك تحيا الحياة ، فهل اجمل من لقاء الأهل والأحبة وأصدقاء الطفولة !؟ هل أجمل من رائحة التراب الممزوجة ببكر فصل الشتاء، هل أجمل من القدس والخليل ورام الله ، هل أبهى من يافا وأصبرمن عكا ؟! أتمنى لكل غائب أن يعود ولكل محب عطِشٍ أن يرتوي ويحظى باللقاء. 
 س. عندما تتأثرين بموقف ما، من يسعفك قلمك أم ريشتك وألوانك؟
أعتقد أن لوني سيخط دائماً أولى الكلمات، فأنا عاشقة اللون محبة للحرف . 
س. كمعظم الفلسطينيين تنقلت ما بين عدة دول إلى أن وصلت إلى كندا، هذا بالتأكيد كان له تأثير على حياتك عامة وموهبتك  خاصة ، كيف تقيمين تجربتك الفنية خلال هذه الرحلة ، وهل لديك مشاريع مستقبلية في كندا؟
في الفن التدريب المستمر مهم ويطور من أسلوب  الفنان باستمرار، غير أن رؤية أعمال وأساليب فنية متنوعه له الأثر الكبير في تطوير وإثراء المخزون لدى الفنان، أثناء إقامتي في الإمارات أقمت العديد من المعارض الخاصة وشاركت في معارض جماعية أثرت تجربتي، وخلال أسفاري كنت أركز على زيارة المعارض الفنية والمتاحف الحديثة والتاريخية وكما زرت بلاداً مثل إسبانيا والتي تتزين بالقلاع القديمة والفنون الإسلامية  والقصور كقصر الحمراء في غرناطة وزرت إيطاليا وتعتبر روما متحفاً مفتوحاً، ومصر وهل أجمل من الكنوز والآثار الفرعونية العريقة، كما زرت المتاحف في أمريكا وبريطانيا وتركيا وكذلك المتاحف في كندا  وهذه الزيارات جعلتني أقف أمام أعمال فنية رائعة، بالنسبة لمشاركاتي في كندا فقد شاركت في العديد من المعارض الجماعية في مدينة لندن أثناء إقامتي هناك، ولسنوات إستقبل الجاليري التابع لمتحف مدينة لندن أعمالي الفنية والتي كانت متاحة للناس لإستئجارها لفترات حسب رغبتهم وهي فكرة جديدة بالنسبة لي لكنها جميلة، وهناك تواصل مستمر بيني وبين محبي الفن في مدينة هاملتون ممن يهتمون برؤية أعمالي واقتنائها.  
س. حدثينا عن اهتماماتك وهواياتك الأخرى غير الفن التشكيلي والأدب؟
يبقى الرسم شغفي الأول وهو يحتاج لوقت وفي فترة معينة طغت الكتابة، وفي التأمل والمشي يعطيني فرصة للشحن الروحي والإسترخاء فأنا أيضاً أم لثلاث أبناء وبنتان، وليتني أستطيع اقتراض المزيد من الوقت من الزمن.    
س. سعدت بالحوار معك في هذا اللقاء ، وأترك لك الكلمة الأخيرة لقراء صحيفة عرب كندا من أبناء الجالية العربية؟
سعدت جداً بالحوار معك عزيزتي، وأتمنى أن يكون حواراً ممتعاً للقراء وهذه دعوة مني للأهل خاصة أن يساندوا مواهب أطفالهم ويدعموها ويطوروها فمردودها النفسي والعاطفي وتأثيرها في بناء شخصية الفرد يستحق منا الدعم. 
 
حوار / سلوى حماد
مدير تحرير صحيفة عرب كندا- أوتاوا